التقاعس الحكومي أجهض "الصحوة الزراعية" بولاية لعصابه

مزرعة قرب مدينة كرو

أثبتت مبادرات زراعية قام بها خصوصيون في ولاية لعصابه وخاصة في مقاطعة كرو أن الأرض هنا  معطاءة وأن الإرادة المحلية قادرة على رفع االتحدي. 

فقد شهدت هذه الولاية طفرة زراعية غير مسبوقة بجهود تمويلية وتنظيمية ذاتية من مزارعين خصوصيين واجهوا قساوة الظروف وضحوا بأموال كبيرة  وأثبتوا إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي من مواد أساسية كالطماطم والبصل والبطاطس وغيرها.

كانت تلك المبادرات بمثابة طوق النجاة للاقتصاد المحلي، ورسالة واضحة للقرار السياسي بأن السيادة الغذائية ليست ترفاً فكرياً بل هي خطة عمل ممكنة التطبيق، شرط أن تجد شريكاً رسمياً يلتقط الإشارة ويُبنى على المكتسبات.

لكن المفارقة الصادمة تمثلت في العجز الحكومي الممنهج عن مواكبة هذا الزخم. وبدلاً من أن تُسارع الجهات الوصية إلى تذليل العقبات البنيوية التي واجهت هؤلاء المنتجين، وقفت موقف المتفرج ولم تقدم غير اليسير الذي لا ينفع في توطيد تلك المبادرات وتجسد هذا التقاعس في عدة ملفات حيوية:

  • غياب البنية التحتية لحفظ الإنتاج: تُرك المزارعون يواجهون معضلة تلف المحاصيل بسبب غياب مخازن التبريد الكبرى وسلاسل التبريد اللوجستية.
  • لم تحرّك الحكومة ساكناً لحماية المنتج الوطني في مواجهة الإغراق الخارجي خلال مواسم الحصاد، مما جعل المنافسة غير عادلة.

    -  حُرِم المزارعون من التسهيلات و القروض الميسرة، والدعم الحقيقي للأسمدة، والمدخلات الزراعية، والطاقة النظيفة لضخ المياه.

و أمام هذا الإهمال المستمر، وضغط الديون، وتوالي الخسائر نَفِدَ صبر المستثمرين وتراجع الحماس الوقاد الذي قاد تلك المبادرات، لتتوقف محركات الإنتاج تدريجياً، ويعود الكثير من المزارعين إلى مربع العزوف قسراً لا طوعاً.

إن النتيجة الطبيعية لسياسة "الأيدي المرتعشة" وغياب الاستشراف هي سبب ما نعيشه اليوم من أزمة  حادة في الخضروات الأساسية. ولقد أدى هذا الفراغ الإنتاجي الحاد للعودة إلى  الارتهان الكامل للاستيراد الخارجي  والاعتماد الكلي على ما تجود به الحدود والأسواق الدولية.

لذلك  قفزت أسعار الخضروات إلى مستويات جنونية لم تعرفها البلاد في تاريخها الحديث، مما سحق القوة الشرائية للمواطن المثقل أصلاً بالأعباء و تحولت الخضروات في ولاية لعصابه والوطن بشكل عام  من مواد استهلاكية يومية بسيطة إلى "سلع فاخرة" يصعب على ذوي الدخل المحدود تأمينها.

إن الأزمة الحالية ليست نتاج شح في الموارد أو عقم في الأرض، بل هي أزمة تسيير وإرادة سياسية بامتياز. لقد أثبت الخصوصيون هنا في ولاية لعصابه على الأقل  أن الاكتفاء الذاتي كان قاب قوسين أو أدنى، لكن غياب العقل التخطيطي الحكومي حوّل الطفرة إلى انتكاسة.

إن الخروج من هذا النفق لا يمر عبر الحلول الترقيعية أو استجداء الاستيراد، بل عبر اعتذار عملي للمزارعين، وتقديم حزم دعم عاجلة وجريئة، وتفكيك العقبات البيروقراطية واللوجستية فوراً.

 فمن لا  يملك قوت يومه من  أرضه، يظل قراره وسلمه الاجتماعي رهناً بالخارج.

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.