تتزايد المخاوف من تداعيات تراجع التساقطات المطرية هذا العام بولاية لعصابه وما سينجم عن ذلك من جفاف يهدد المراعي والثروة الحيوانية، التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي ومصدر العيش الأساسي لسكان المنطقة، في ظل اعتماد شبه كامل على تربية المواشي وما توفره من دخل وغذاء وفرص للاستقرار في الأرياف.
ويثير هذا الوضع مخاوف مربي الماشية من تدهور المراعي الطبيعية وتراجع قدرتها على توفير الغذاء الضروري للحيوانات، الأمر الذي قد يدفع المنمين إلى تحمل تكاليف إضافية لتوفير الأعلاف، في وقت تتزايد فيه الأعباء المعيشية وتضيق فيه الخيارات المتاحة أمام آلاف الأسر التي تعتمد على الثروة الحيوانية في تأمين احتياجاتها اليومية.
ولا تتوقف خطورة الجفاف عند حدود نقص المراعي أو ارتفاع أسعار الأعلاف، بل تمتد إلى احتمال تراجع أعداد المواشي، وتدهور حالتها الصحية والإنتاجية، واضطرار بعض المربين إلى بيع جزء من قطعانهم بأسعار لا تعكس قيمتها الحقيقية، تفادياً لنفوقها أو العجز عن توفير الغذاء لها. وهو ما قد يترك آثاراً اقتصادية واجتماعية عميقة على المنطقة، ما لم تُتخذ إجراءات استباقية لمواجهة تداعيات الوضع.
وأمام هذه المخاطر، تبرز ضرورة تحرك السلطات المعنية لدعم زراعة الأعلاف خاصة أن مبادرات هامة قادها عدد من الأشخاص بالولاية كشفت عن ‘إمكانية كبيرة للنجاح واتخاذ هذه الزراعة خياراً استراتيجياً لتخفيف آثار الجفاف وحماية الثروة الحيوانية .
فلم يعد من المقبول الاكتفاء بانتظار موسم مطري أفضل، أو التعامل مع أزمة المراعي باعتبارها ظرفاً عابراً، بينما تظل سبل عيش آلاف الأسر مرتبطة بقطاع شديد التأثر بالتقلبات المناخية.
ويتطلب ذلك وضع برنامج عملي لتشجيع زراعة الأعلاف، من خلال توفير البذور الملائمة، ودعم المزارعين المستحقين، وتسهيل الوصول إلى المياه ومستلزمات الإنتاج، وتوفير الإرشاد الزراعي، إلى جانب البحث عن آليات مستدامة لإنتاج الأعلاف وتخزينها. كما ينبغي أن يستند الدعم إلى معايير واضحة تضمن وصوله إلى المستفيدين الحقيقيين، بعيداً عن المحاباة وسوء التوزيع.
ومن الضروري أيضاً أن تتكامل جهود القطاعات المكلفة بالزراعة والتنمية الحيوانية والمياه، حتى لا تبقى التدخلات مشتتة ومحدودة الأثر، بل تتحول إلى سياسة متكاملة تستعد لفترات الجفاف قبل وقوعها، وتوفر للمربين بدائل حقيقية عن الاعتماد المطلق على المراعي الطبيعية.
إن حماية الثروة الحيوانية في هذه المنطقة ليست مجرد مسألة اقتصادية عادية، بل هي حماية لمصدر رزق السكان، وصون لاستقرارهم الاجتماعي، وضمان لاستمرار نشاط يشكل جزءاً أساسياً من هويتهم ونمط حياتهم. ولذلك، فإن تأخير التدخل أو الاكتفاء بالحلول المؤقتة قد يجعل كلفة الأزمة أكبر بكثير من كلفة الوقاية منها.
وهنا تقع المسؤولية الكبرى على المشاريع التنموية المتدخلة في هذا المجال؛ إذ عليها أن تباشر دون تأخير دعم هذه الزراعة وبذلك وحده يمكن أن نتجنب الكارثة.
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة انتظار الأمطار إلى سياسة الاستعداد للجفاف، عبر دعم زراعة الأعلاف وتحويلها إلى ركيزة أساسية في التنمية الزراعية والحيوانية. فحين تكون المواشي مصدر العيش شبه الوحيد للسكان، تصبح حمايتها مسؤولية تنموية ملحة، ويغدو الاستثمار في الأعلاف ضرورة لا تحتمل التأجيل.






