لم تعد أزمة SOMELEC مجرد عطل في الكهرباء. لقد تحوّلت إلى أزمة حوكمة. فالتبرير الذي يُقدَّم لنا بات يكاد يكون أخطر من الخطأ الذي يُفترض أنه يشرحه. إنه يطرح تساؤلات حول جودة البنى التحتية العمومية، وتسيير الصفقات، وآليات رقابة الدولة، وقدرة الحكومة على استباق المخاطر، وطريقة إنفاق المال العام، وقبل كل شيء، قدرة السلطات على قول الحقيقة للموريتانيين.
أصيبت منشأتان كهربائيتان استراتيجيتان في نواكشوط بحرائق في ظرف يومين، مع عواقب خطيرة على المواطنين والتجار والخدمات الصحية وحفظ الأدوية والمواد الغذائية، وبشكل أوسع على النشاط الاقتصادي للعاصمة. وفي بعض الأحياء، عاش السكان قرابة ثماني وأربعين ساعة من الانقطاع. فقدت أسر مؤونتها. وخسر تجار بضائعهم. وتوقفت المدفوعات الإلكترونية في العديد من نقاط البيع. وتوقفت محطات الوقود عن العمل لانعدام الكهرباء اللازمة لمضخاتها. كما تأثر التزود بالمياه في بعض المناطق، مع انعكاسات مباشرة على محطات الضخ. وواجهت صيدليات ومؤسسات صحية مخاطر جسيمة.
إنه إذن إخلال جسيم بخدمة عمومية أساسية، وفي وضع بهذه الخطورة، يحق للموريتانيين الحصول على أجوبة دقيقة، لا على روايات ظرفية الغرض منها حماية الحكومة.
أين هي أولوية مواجهة الأزمة؟
أتساءل أولاً عن أجندة رئيس الجمهورية منذ بداية هذه الأزمة. ففي الوقت الذي لا تزال فيه أحياء من نواكشوط محرومة من الكهرباء، ولم يُستعَد الوضع بشكل كامل بعد، يواصل الرئيس تكثيف اللقاءات والاستقبالات، التي حظي بعضها بتغطية إعلامية واسعة: منسق الحوار، أعيان، وفود من اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان وشخصيات متنوعة. وكان قد أعلن، قبل أيام قليلة، أن الكهرباء ستُستعاد في غضون يومين. وقد تجاوزنا هذا الأجل والأزمة مستمرة. وفي مثل هذه اللحظة، ينبغي أن تكون الأولوية المطلقة لرئيس الدولة تعبئة كل موارد الدولة لاستعادة الخدمة وتقديم الحساب للمواطنين. وتعطي هذه السلسلة من الاستقبالات، في وقت لم تُحسم فيه الأزمة، للأسف انطباعاً برغبة في تحويل الأنظار بدل معالجة المشكلة بالحجم الذي تستحقه.
نفس الرجال، نفس الأساليب، نفس الإخفاقات
هذه الأزمة ليست مفاجئة للأسف. فمنذ وصوله إلى السلطة، أحاط الرئيس ولد الشيخ الغزواني نفسه إلى حد كبير بنفس النخب التي شاركت في التسيير الكارثي للبلاد خلال العشرية الماضية، دون أن تنجح يوماً في تحقيق التنمية الموعودة للموريتانيين. نفس الرجال، نفس الأساليب، نفس الشبكات، تنتج بالضرورة نفس النتائج. لا يُطلب ممن فشلوا بالأمس أن ينجحوا اليوم. والرئيس وحده، على ما يبدو، يتجاهل هذه الحقيقة الثابتة.
الدعاية لا تعوّض النتائج
تكشف هذه الأزمة أيضاً حدود حكم قائم على الدعاية والإعلانات ووضع حجر الأساس دون أي أثر لاحق، بدلاً من الارتكاز على النتائج والمتابعة والتقييم والجودة الحقيقية للإنجازات. فالبنية التحتية العمومية لا تُقاس بشريط يُقطع أمام الكاميرات، بل بقدرتها على العمل حين تنطفئ الكاميرات.
اعتمادنا على الغير يكشف ارتجالنا
والأخطر من ذلك، أن لجوء الحكومة إلى خبرة ومساعدة دول الجوار يكشف حجم الارتجالية السائدة. فحين تضطر حكومة إلى طلب المساعدة الخارجية لمواجهة أزمة من هذا النوع، فذلك يدل بوضوح على هشاشة قدرتها التقنية والمؤسسية الذاتية، وكأن البلاد ضربها زلزال يستوجب التضامن الدولي. إن أصغر حادث يضع استقلالية هذه الحكومة، وسرعة استجابتها، وقدرتها على الاستباق والتنبؤ، على المحك.
بعد أكثر من ستين عاماً من الاستقلال، لم يعد بالإمكان أن يكون القول بأن «المشكلة موجودة منذ قبل» سياسة عمومية. وثمة ما هو غير مقبول فعلاً في أن نضطر، بعد ست عقود من الاستقلال، إلى طلب الدعم بشكل منهجي من السنغال أو المغرب أو الجزائر كلما وقع حادث في بنيتنا التحتية الخاصة، رغم أن بلدنا يملك موارد هائلة. فنحن نصدّر موادنا الأولية ثم نجدها لدينا، محوَّلة في مكان آخر، ومقيَّمة في مكان آخر، ومباعة بثمن أغلى. نملك المورد؛ ونعتمد على من يعرف تحويله. هذا أيضاً هو الفشل الذي تُعبّر هذه الأزمة عن أحد أعراضه.
تناقضات الوزير الأول خطيرة
أوضح الوزير الأول بنفسه، في تصريحاته، أن المحطتين المتضررتين بالحريق قد شُيّدتا قبل عام 2015، وأن المعدات المقتناة في إطار برنامج تطوير نواكشوط لم تُركَّب حتى الآن: إذ لا تزال المحولات الخمسة المقررة نائمة في المستودعات، بل إن القواطع والخلايا لم تصل بعد إلى البلاد. وبحسب تعبيره، فإن كل ما تم تشغيله فعلياً في إطار هذا البرنامج يقتصر على خطوط توتر، ومحطات تحويل منخفض التوتر، وإنارة عمومية.
هذا اعتراف صادم، صادر عن الحكومة نفسها: معدات دُفع ثمنها من المال العام تبقى دون استخدام، بينما المنشآت القائمة تحترق لعدم تحديثها في الوقت المناسب. كيف نبرر أن يبقى عتاد مخصص لتعزيز شبكة استراتيجية مجمَّداً في المستودع، بينما تصبح المحطات العاملة هشة إلى درجة أنها تحترق؟ إن حكومة تترك عتاداً كان يُفترض أن يحدّث شبكة حيوية نائماً في المخازن لسنوات، ثم تكتشف الطوارئ يوم تحترق هذه الشبكة، لم تُدر أزمة، بل صنعتها بتقاعسها.
ويجب مواجهة هذه الرواية بالوثائق المتداولة وبالتصريحات العلنية السابقة للوزير الأول نفسه. إذ تشير معلومات نُشرت في الأيام الأخيرة إلى أن معدات مرتبطة بهذه القضية قد قُدّمت، في وقت آخر، على أنها اقتناءات حديثة ضمن برنامج تحديث نواكشوط. أمام هذا، نحن أمام مشكلة بسيطة: إما أن هذه الوثائق مزيفة، أو أن تصريحات الوزير الأول متناقضة. وفي الحالتين، لا بد من تفسير علني، كامل وموثّق، وهو مستحق دون تأخير.
لا يمكن لوزير أول أن يُكيّف تسلسل الوقائع بحسب حاجات التواصل الحكومي. هذا التناقض لا يمكن تجاوزه بتصريح سياسي جديد. يجب التحقق منه وثيقة بوثيقة: العقود، الفواتير، محاضر الاستلام، تواريخ التركيب الفعلية. لا يمكن للحكومة أن تكتفي بالقول «لم يحصل تركيب»: عليها أن تشرح لماذا، ومنذ متى، ومن ترك هذا الملف يتباطأ لسنوات.
«المشكلة كانت موجودة من قبل» ليست دفاعاً
يبدو أن الحكومة تريد أن تجعل من قِدَم البنى التحتية إعفاءً من المسؤولية. وهذا لا يصمد. فالحكومة لم تُعيَّن لتشرح لماذا كانت المشاكل موجودة قبلها، بل عُيّنت لحلّها. فإن كانت قد ورثت بنية تحتية متهالكة، كان عليها تحديثها. وإن كانت قد اكتشفت معدات خطرة، كان عليها استبدالها. وإن كانت قد لاحظت نقصاً في الصيانة، كان عليها تصحيحه. وإن لم تكن على علم بذلك، فعليها أن تشرح لماذا لم تعمل أنظمة الرقابة.
نحن بحاجة إلى مسؤولين قادرين على البناء على ما ينجح، وتصحيح ما لا ينجح، وقبل كل شيء الاستباق. هذا هو الحكم، وليس أن نرث المشاكل ونلاحظها ونشرحها ثم نسلّمها للحكومة التالية.
وثمة ظرف خاص لا يمكن للحكومة تجاوزه: فلو كانت المعدات المعنية قد اقتُنيت فعلاً في 2014 أو 2015، فإن الوزير الأول الحالي كان يشغل آنذاك مناصب حكومية رفيعة، لا سيما في وزارة المالية. وعليه أن يوضح ما جرى فعله في تلك الفترة، وما تمت مراقبته، وما هي المسؤوليات القائمة في سلسلة القرار. وفي جميع السيناريوهات، يجب أن تكون تفسيرات الحكومة قابلة للتحقق، ولم يعد مقبولاً ألا تكون كذلك.
لجنة تحقيق أم لجنة ظرفية؟
أعلنت الحكومة عن لجنة تصفها هي نفسها بـ«المستقلة». لكن الاستقلالية لا تُقرَّر ببيان، بل تُتحقّق منها في التشكيلة. تترأس هذه اللجنة وزير سابق، عثمان محمود كان، ويحيط به مفتش عام للدولة، ومستشار بالرئاسة مكلف بالطاقة، ورئيس اللجنة الوطنية لمراقبة الصفقات العمومية، ومسؤول عن الطاقة في الشنيم (SNIM). بعبارة أخرى: للتحقيق في قضية قد تشمل قرارات إدارية، وصفقات عمومية، وصيانة بنى تحتية، وحوكمة طاقية، يجري تجميع مسؤولين حاليين أو سابقين في جهاز الدولة نفسه بشكل أساسي. واللجوء المعلن عنه إلى خبراء سويسريين وألمان مفيد لتحديد الأسباب التقنية للحريق. لكن يجب أن يحددوا، بنفس الحرية، من قرر ماذا، ومن وقّع ماذا، ومن راقب ماذا، ومن كان ينبغي أن يتدخل قبل وقوع الكارثة.
المشكلة ليست في هذا الشخص أو ذاك. المشكلة في الآلية نفسها: هل يمكن أن ننتظر جدياً من لجنة مشكَّلة إلى هذا الحد من جهاز الدولة أن تُدين هذا الجهاز نفسه، حتى القمة إن اقتضى الأمر؟ إن لجنة لا تجرؤ على الصعود حتى الحكومة ليست تحقيقاً، بل غرفة تسجيل.
أضف إلى ذلك المهلة المحددة: ثلاثون يوماً، قابلة للتمديد بخمسة عشر يوماً. ثلاثون يوماً لدراسة الأسباب المباشرة وغير المباشرة، والمسؤوليات، والصفقات، والصيانة، وأجهزة السلامة، وعمليات الإخماد، واستعادة الشبكة، واقتراح خطة إعادة تأهيل. إن تحقيقاً جدياً لا يُضبط على السرعة التي ترغب بها السلطة لطي الصفحة. هذه المهلة ليست مهلة تحقيق، بل مهلة تواصل أزموي.
على البرلمان أن يحقق
أطالب بأن يشكّل البرلمان لجنة تحقيق خاصة به. فالحكومة تراقب الإدارة؛ والبرلمان يراقب الحكومة. هذا هو المبدأ الأولي للرقابة الديمقراطية. فلتقم اللجنة الحكومية بالتحقيقات التقنية اللازمة. لكن يجب أن يتمكن البرلمان من فحص الصفقات، والاستماع إلى المسؤولين، واستدعاء الوزراء المعنيين، والحصول على الوثائق الإدارية، وتحديد المسؤوليات المؤسسية والسياسية، ويجب أن تكون أهم جلسات الاستماع علنية، وإن أمكن مُتلفَزة.
إن كانت اللجنة الحكومية مستقلة فعلاً، فليس لديها أي مبرر للخوف من رقابة برلمانية موازية. ولا يجب أن يكون إنشاؤها بأي حال من الأحوال ذريعة لاستبعاد أو تأجيل لجنة برلمانية، وهذا بالضبط ما يبدو أن الحكومة تسعى إليه بتصرفها المتسرع. أطالب أيضاً بأن يواكب ممثلون موثوقون عن المجتمع المدني، لا سيما العاملون في مجال الشفافية والصفقات العمومية، هذه العملية بصفة مراقبين مستقلين، وهو طلب قدّمته منظمة الشفافية العالمية نفسها. فلتُحدد الخبرة الأسباب التقنية، وليُحدد البرلمان المسؤوليات السياسية والمؤسسية: المساران يتكاملان، ولا يتناقضان.
يجب وضع الوثائق على الطاولة
تؤكد منظمة الشفافية العالمية، التي يديرها السيناتور السابق محمد ولد غده، أنها تملك وثائق، وتتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عما نشرته. وبحسب المعلومات التي تقدمها في هذه المرحلة، فإن الحرائق قد تكون مرتبطة باستخدام كوابل ذات مقطع كبير مخصصة لشبكات التوزيع، اقتُنيت عبر مناقصة في إطار برنامج التنمية الطارئة لنواكشوط، وقد لا تكون مطابقة للمعايير التقنية المطلوبة، بل تشير المنظمة إلى احتمال وجود صلة بمصالح تجارية لبرلمانيين نافذين.
إن ما تنقله منظمة الشفافية العالمية خطير بما يكفي لفرض رد فوري وموثّق من الحكومة، لا صمتاً، ولا مناورة تواصلية. فلتنشر وثائقها، كما تعهدت. ولتقم الحكومة بفحصها علنياً، نقطة بنقطة، بدل الرد على الوثائق بمجرد تصريحات سياسية.
نريد أن نرى العقود، ودفاتر الشروط، وأوامر الشراء، ومحاضر الاستلام، وشهادات المطابقة، والفواتير، وتواريخ التسليم، وتواريخ التركيب، وتقارير الرقابة والصيانة، والمراسلات بين الإدارات. الحقيقة موجودة في الوثائق. وحين يتعلق الأمر بالمال العام، يحق للمواطنين أن يعرفوا أين ذهب.
إن كانت الصفقات مخالفة، فيجب الصعود إلى المستفيدين
تشير عدة معلومات علنية إلى احتمال وجود خلل يتعلق بجودة المعدات وإسناد بعض الصفقات، بما في ذلك احتمال وجود صلة بمصالح خاصة لشخصيات نافذة، من بينها برلمانيون. أطالب بالتحقيق، بدقة ودون تهاون: الشركات المستفيدة، المالكون الحقيقيون، الوسطاء، المسؤولون عن الإسناد، الأشخاص الذين شاركوا في الاستلام، المسؤولون عن الرقابة، تضارب المصالح المحتمل، بما في ذلك، إن أكّدت الوقائع ذلك، تورط منتخبين في صفقات يُفترض أنهم مكلَّفون بمراقبتها.
إن كانت صفقات قد استفاد منها مقربون من السلطة أو برلمانيون أنفسهم، فيجب التحقق من ذلك. وإن لم تكن هناك أي مشكلة، فليُثبت التحقيق ذلك علناً. وإن وُجدت مخالفات، فليَمثُل المسؤولون أمام القضاء. وإن ظهرت إثراءات غير مبررة مرتبطة بممارسة وظائف عمومية، فيجب أن تخضع لتحقيق ذمة مالية وقضائي. لا ينبغي حماية أحد بحكم قربه من السلطة، لا مورّداً، ولا وسيطاً، ولا منتخَباً.
تدقيق شامل، لا تحقيق محصور في محولين اثنين
إذا كان من الممكن إخراج بنيتين تحتيتين كهربائيتين استراتيجيتين عن الخدمة في هذه الظروف، فيجب أن نتساءل عن حالة بقية المنشآت: خزانات المحروقات، الطرق، الجسور، شبكات الصرف الصحي، المنشآت المائية، البنى التحتية الاستشفائية، وكل المعدات التي يعتمد عليها يومياً مئات آلاف المواطنين. ليست المحطتان الكهربائيتان وحدهما الهشتين، بل مجمل الرصيد العمراني للعاصمة هو الذي كشف تصدعاته للتو.
لهذا أطالب بتوسيع صلاحيات اللجنة الحكومية نفسها، مع نفس ضمانات الاستقلالية معززة ونفس اللجوء إلى الخبرة الوطنية والدولية، لكن هذه المرة مرتبطة مباشرة ببرنامج «تحديث نواكشوط» في مجمله. لا يمكننا أن ننتظر الحريق المقبل أو الانهيار المقبل لنكتشف أن بنية تحتية كانت متهالكة أو سيئة الصيانة أو سيئة التصميم.
يجب أن يجيب هذا التدقيق عن أسئلة بسيطة: ماذا بنينا؟ كم كلّف ذلك؟ من نفّذ الأشغال؟ من راقبها؟ ما هي المعدات التي رُكّبت، ومتى استُلمت، وما الصيانة التي أُجريت، وما الحوادث التي سبق الإبلاغ عنها، وما الأشغال المطلوبة اليوم وبأي تكلفة؟
لا يمكن أن يعني التحديث مجرد الافتتاح. فالبنية التحتية ليست نجاحاً لأن شريطاً قُطع أمام الكاميرات. إنها نجاح إن كانت تعمل، وتحترم المعايير، وتصمد مع الزمن، وتُصان بشكل صحيح، وتمثل نفقة عمومية يمكن تبريرها. التحديث هو التدقيق والتشخيص والتصحيح والاستباق والاستدامة، لا الإعلان.
وضع حد لممارسة «التسمسير»
أطالب بوضع حد لثقافة «التسمسير» داخل SOMELEC. فمؤسسة عمومية استراتيجية يجب أن تتمكن من التزود مباشرة من الصانعين أو من موردين يملكون خبرة تقنية حقيقية، لا أن تعتمد على وسطاء تكون أولوية قربهم من شبكات السلطة على الكفاءة. أطالب بشفافية كاملة بشأن الوسطاء، ومستفيديهم الحقيقيين، وعمولاتهم، ومبرر تدخلهم في الصفقات العمومية.
المشكلة ليست الكهرباء وحدها. إنها حوكمة الخدمات العمومية
مشكلتنا ليست محوّلاً يحترق، بل نظام يعمل في أغلب الأحيان دون سلسلة مسؤولية حقيقية، نظام تُنفق فيه الدولة المليارات دون أن يعرف المواطنون بالضبط ماذا اشترت، وممن، وبأي ثمن، ووفق أي معايير، وبأي رقابة؛ نظام تُكتشف فيه الاختلالات بعد الكوارث بدل الوقاية منها؛ نظام تُعامَل فيه الصيانة كنفقة ثانوية رغم أنها تحدد استدامة الاستثمار العمومي؛ نظام يُقاس فيه نجاح مشروع بافتتاحه بدل قدرته على العمل لعشر أو عشرين أو ثلاثين سنة.
ويجب قول ذلك بوضوح: إن الفساد يزدهر تحديداً في الأنظمة التي لا يُقاس فيها الأداء أبداً، ولا تُحدَّد فيها المسؤوليات أبداً. فالمشكلة إذن لا تنحصر في اختلاس محتمل. يجب أن نفحص في آن واحد الفساد المحتمل، وتضارب المصالح، والصفقات العمومية، والجودة التقنية، والصيانة، وكفاءة المسيّرين، وآليات الرقابة، ومؤشرات الأداء.
أين كانت خطة مواجهة الأزمة؟
لا تُقاس هذه الأزمة بالحريق الأولي وحده، بل بالطريقة التي استجابت بها الدولة. أين كانت خطة تقنين التوزيع؟ ما هي البنى التحتية التي حُددت كأولوية؟ هل حظيت المستشفيات بالأولوية؟ هل حظيت محطات ضخ المياه بالأولوية؟ ما هي المعلومات التي قُدمت للمواطنين خلال الانقطاعات؟ ما هي الحلول البديلة التي أُعدّت مسبقاً؟ ما هي الآليات التي كانت موجودة لحماية المحلات التجارية والصيدليات والخدمات الأساسية؟ إن غياب جواب واضح عن هذه الأسئلة يعني أن إدارة الأزمة نفسها قد فشلت، بصرف النظر حتى عن سبب الحريق. فدولة تكتشف خطة استمراريتها يوم وقوع الكارثة، لا تملك خطة.
المال العام يجب أن يُستخدم أيضاً للصيانة، لا للبناء فقط
لا تُقاس البنية التحتية العمومية لحظة افتتاحها. يجب أن نسأل كم كلّفت، ومن بناها، ومن استلمها، ووفق أي معايير، وما الصيانة التي أُجريت، وما الرقابة التي تمت، وما التحذيرات التي صدرت، وما الإصلاحات التي طُلبت، وما الميزانيات التي خُصصت لصيانتها. فالمال العام لا يُستخدم فقط لبناء البنى التحتية، بل يجب أن يسمح أيضاً بصيانتها طوال مدة صلاحيتها، وحكومة تتجاهل هذه البديهية تتحمل مسؤوليتها بنفس القدر كما لو أنها أساءت البناء.
على الحكومة أن تستقيل
أطالب باستقالة الحكومة فوراً. حصل أولاً إخلال في الاستباق والوقاية. ثم إخلال في إدارة الأزمة. والآن، أزمة مصداقية للخطاب الحكومي. أمام أزمة بهذا الحجم، لا يكفي التوجه إلى الموقع، ومعاينة الأضرار، والإعلان عن لجنة. المسؤولية السياسية موجودة تحديداً لهذا الغرض: فحكومة تفشل يجب أن تعترف بفشلها.
كان من الطبيعي أن يهتم رئيس الدولة مباشرة بأزمة تمسّ العاصمة ومئات آلاف المواطنين. لكن لم يكن ينبغي لرئيس الدولة أبداً أن يضطر لأن يصبح هو نفسه الآلية التنفيذية لإدارة أزمة كهربائية. ففي دولة منظمة بشكل صحيح، توجد آليات إنذار، ومسؤولون تنفيذيون، وإجراءات طوارئ، وخطط استمرارية، وأنظمة وقاية، وهيئات رقابة قادرة على التحرك قبل أن تبلغ الأزمة هذا المستوى. إن تنقل الرئيس في منتصف الليل ليس دليلاً على حسن الحكم: إنه عرَض لضعف مؤسسي. لا ينبغي أن يكون رئيس الدولة الملاذ الأول والأخير لكل إخلال إداري، ولهذا بالضبط لدينا حكومة، وإدارات، ومؤسسات عمومية، وهيئات رقابة. وإذا كانت هذه الحكومة تحتاج إلى أن يدير الرئيس بنفسه أزماتها، فإن هذه الحكومة قد فشلت في أبسط مهامها.
توقيت الحوار مناورة سياسية سيئة
وفي هذا السياق بالذات، استدعى رئيس الجمهورية السيد موسى فال ليعلن له تعيينه على رأس اللجنة المكلفة بالإشراف على الحوار السياسي. إن هذا التوقيت مثير للريبة سياسياً. ففي اللحظة التي يطالب فيها البلد بتفسيرات بشأن SOMELEC، وتصبح فيها تناقضات الحكومة علنية، وتتداول فيها وثائق، يُعاد الحوار إلى صدارة الأحداث. لا أومن بمثل هذه الصدف السياسية. يبدو الأمر وكأنه محاولة لتحويل الانتباه، مناورة تشتيت، وستار دخاني.
تريد السلطة الحديث عن الحوار بينما يريد الموريتانيون معرفة سبب احتراق بناهم التحتية وأين ذهبت أموالهم. لن ندع أنفسنا نُصرَف عن هذا السؤال. أطالب إذن قوى المعارضة بتعليق مشاركتها في الحوار إلى حين توضيح هذه القضية. الحوار ليس أولوية وطنية. أما الحقيقة بشأن تسيير الأموال العامة، فنعم. وحماية المواطنين، فنعم. والمحاسبة، فنعم.
وردة والعدالة ذات السرعتين
أود أخيراً أن أتناول إدانة وردة بخمس سنوات سجناً، لأنها طالبت، في منشور، بأن يُسقط الشعب الموريتاني السلطة. علينا الحديث عن المساواة أمام القانون. لقد رأينا في هذا البلد شخصيات نافذة تُدلي علناً بتصريحات تصل إلى حد الدعوة لتدخل الجيش أو لانقلاب، دون أن تتعرض للمساءلة. أهذا لأنها تنتمي إلى عائلات كبيرة؟ أم لأنها تملك شبكات سياسية واجتماعية قوية؟ أم لأنها تنتمي إلى قبائل معينة؟
في هذه الأثناء، تُدان امرأة شابة بشدة على تصريحات تندرج هي الأخرى ضمن النقاش السياسي. واستدعاء اللواء لبات ولد معيوف، بشأن تصريحات مشابهة، بل أشد عنفاً، أُدلي بها قبل عدة أشهر، لا يغيّر شيئاً من هذا الواقع. بل يأتي هذا الاستدعاء خصوصاً بعد أن كشف حكم إدانة وردة أمام الرأي العام الطابع الفاضح لسياسة الكيل بمكيالين. ويبدو أيضاً وكأنه محاولة تشتيت في وقت تتخبط فيه السلطة في فضيحة SOMELEC.
الأمر لا يتعلق بقضية وردة وحدها. إنه يتعلق بمعرفة ما إذا كانت العدالة في موريتانيا تطبّق القانون نفسه على القوي والضعيف. أطالب بأن تكون العدالة واحدة للجميع. لا يمكن لجمهورية أن يكون لها قانون للأقوياء وقانون آخر لبقية المواطنين.
هذه الأزمة يجب أن تُلزمنا بالنظر إلى الحالة الحقيقية للبلد
عند كل مشكلة، يُعلَن عن إصلاح. وعند كل أزمة، تحديث. وعند كل استثمار، إنجاز كبير. ثم يأتي عطل، أو حريق، أو انهيار، فنكتشف أنه خلف الافتتاحات والمليارات المنفقة، تبقى البنى التحتية هشة. يجب أن يتوقف هذا.
نطالب بأن تُثبَت الحقيقة حتى يمكن التصرف بناءً عليها. نطالب بأن يتحمل كل طرف ما يعنيه من مسؤولية، بالأمس كما اليوم. ونرفض أن تصبح عبارة «المشكلة كانت موجودة من قبل» الصيغة السحرية التي تتيح لكل جيل من المسؤولين تسليم المشاكل نفسها للجيل التالي.
يجب أن ننتقل من سياسة الإعلان إلى سياسة النتيجة، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن الافتتاح إلى المتابعة، ومن الإنفاق العمومي إلى تقييم الإنفاق العمومي، ومن ثقافة الإفلات الإداري من العقاب إلى ثقافة المسؤولية.
لا نريد الإصلاح فحسب. نريد تغيير طريقة الحكم.
نطالب بالنشر الكامل للصفقات المعنية والتقارير التقنية. تدقيق مستقل للبنى التحتية الكهربائية لنواكشوط، وتدقيق أوسع لمجمل البنى التحتية الاستراتيجية للعاصمة، مرتبط مباشرة ببرنامج التحديث. تعزيز آليات رقابة المؤسسات العمومية ودور الجهة المنظِّمة. توضيح المسؤوليات بين الإنتاج والنقل والتوزيع والتسويق. تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية، مقرونة بمسؤولية شخصية للمسيّرين. تحقيقات جدية حول تضارب المصالح المحتمل والإثراء غير المبرر، بما في ذلك ما قد يمس منتخبين. عقود مقرونة بالتزامات نتيجة وعقوبات في حال الإخلال. التزام صيانة مُدرَج بوضوح في الميزانية. ومؤشرات أداء للخدمات العمومية، شفافة ومنشورة بانتظام.
لا يجب أن تُصلَح محطات التحويل بشكل بسيط لتنتج نفس الأسباب، خلال سنتين أو ثلاث، نفس الكوارث. يجب فهم لماذا تتكرر، وإصلاح تنظيم المؤسسة، وتحويل التسيير إلى مسار احترافي، وتعزيز الرقابة، ومعاقبة الإخلالات، وجعل الوقاية التزاماً بدل أن تكون رد فعل بعد الكارثة.
خاتمة
هذه الأزمة خطيرة. لكنها قد تكون مفيدة إن ألزمتنا أخيراً بطرح الأسئلة الحقيقية والنظر إلى الجدار بأكمله، لا فقط إلى الشقوق التي يُراد لنا أن نراها. أطالب بالمحاسبة. أطالب بأن يكون التحقيق قادراً فعلاً على إدانة أي كان إن اقتضت الوقائع ذلك. أطالب بأن تحمي الدولة المواطنين والمال العام بدل حماية الحكومة.
نريد الحقيقة بشأن الحرائق. نريد الوثائق المتعلقة بالصفقات. نريد معرفة المستفيدين والمسؤوليات. نريد رقابة برلمانية حقيقية. نريد تدقيقاً شاملاً لبناتنا التحتية. نريد عدالة متساوية للجميع. نريد أن يكون المال العام قابلاً للتتبع.
ونطالب باستقالة حكومة أثبتت، أمام أزمة كبرى، عجزها عن الاستباق والإدارة، والآن عن تقديم خطاب عمومي ذي مصداقية.
موريتانيا ليست بحاجة إلى عملية تواصل جديدة. إنها بحاجة إلى الحقيقة والمسؤولية والمحاسبة. وهذه المرة، يجب ألا يقبل الموريتانيون أن يُكتفى بإصلاح الأضرار لكي يتسنى البدء من جديد بالطريقة نفسها تماماً.
إن ما يحترق اليوم في محطاتنا الكهربائية يكشف مشكلة أعمق بكثير: طريقة في الحكم تتفاعل مع الكوارث بدل الوقاية منها، وتُعلن عن إنجازات بدل قياس نتائجها، وتطلب ثقة المواطنين دون أن تمنحهم دوماً وسائل مراقبة استخدام أموالهم.
هذا هو المنطق الذي يجب تغييره. والآن هو وقت البدء.
بيرام الداه اعبيد
نواكشوط، الجمعة 28 أغسطس 2026








