أن تحب وطنك لا يعني بالضرورة أن تظل مادحًا له في كل وقت، ولا أن تغض الطرف عن كل ما ينقصه. الحب الحقيقي، في رأيي، أعمق من ذلك بكثير؛ أن ترى الجميل فتفرح به، وأن ترى الخلل فلا تتجاهله، وأن تفرح بما تحقق، لكنك في الوقت نفسه تسأل: ماذا بقي؟ وماذا نحتاج أن نفعل حتى يكون الغد أفضل من اليوم؟
بهذا المعنى فهمتُ فكرة «وطني وجهتي». فهي، كما أراها، ليست مجرد مناسبة للتعريف بجمال البلاد وما تختزنه من طبيعة وثقافة وتاريخ، وإنما فرصة أيضًا لكي نلتفت إلى المدن والقرى، ونسمع أهلها، ونتعرف على ما لديها من إمكانات، وما تواجهه من تحديات.
ومن هذا الباب تحديدًا، جاءت ملاحظتي على نسخة كيفه من مهرجان «وطني وجهتي».
لقد بدا لي أن المهرجان ركّز بدرجة كبيرة على ما اعتُبر إنجازات، وعلى الخطاب الداعي إلى زيادة المأموريات ، بينما لم يحظَ السؤال الذي كان ينبغي أن يكون حاضرًا بقوة بما يستحقه من نقاش: كيفه، مــــاذا تحتاج؟
فكيفه ليست مجرد مدينة نحتاج إلى أن نعدد ما تحقق فيها. إنها مدينة لها تاريخها ومكانتها، ولها سكان يحملون الكثير من المطالب والآمال، وتواجه في الوقت نفسه جملة من التحديات التي لا تحتاج إلى كثير شرح لأهلها.
كيفه تحتاج إلى تحسين خدمات المياه والكهرباء، وإلى مزيد من العناية بالصحة والتعليم، وإلى طرق وشوارع تليق بمدينة هي عاصمة ولاية، وإلى اهتمام أكبر بالشباب، وإلى فرص حقيقية للعمل والاستثمار.
وتحتاج كذلك إلى رؤية تنموية تستفيد من موقعها ومقدراتها، وتدعم الزراعة والثروة الحيوانية، وتفتح الباب أمام الاستثمار، وتتعامل مع السياحة باعتبارها موردًا يمكن أن يكون له شأن، لا مجرد عنوان جميل في المهرجانات.
كان يمكن، أن يكون «وطني وجهتي» في كيفه أكثر قربًا من الناس لو جمع بين الحديث عما تحقق والحديث عما لم يتحقق بعد.
أن نقول: نعم، هذه إنجازات نفتخر بها.
ثم نقول أيضًا: وهذه مطالب ما تزال قائمة.
وهذه مشكلات تنتظر الحل.
وهذه مشاريع نتمنى أن ترى النور.
وهذه أفكار يقترحها أبناء المدينة.
ذلك هو، في تقديري، المعنى الأوسع لأي مهرجان يحمل اسم الوطن.
أما أن تتحول مناسبة كهذه إلى مساحة يغلب عليها التمجيد السياسي والمطالبة ببقاء الرئيس، فإن ذلك، مهما كانت النوايا حسنة، يجعلنا نخسر جانبًا مهمًا من الفكرة نفسها. فالمناسبات الوطنية لا ينبغي أن تكون للتصفيق فقط؛ بل يمكن أن تكون أيضًا مناسبة للمصارحة الهادئة، وطرح المطالب، وتقديم الاقتراحات.
والنقد هنا ليس خصومة مع أحد، ولا إنكارًا لما تحقق، ولا تقليلًا من أي جهد بُذل. بل هو، ببساطة، وجه آخر من وجوه المحبة.
فأنا حين أقول إن في كيفه نقصًا في هذا المجال أو ذاك، لا أقول ذلك لأنني أريد لها أن تتراجع، بل لأنني أريدها أن تتقدم.
المدن لا تبنى بالتصفيق وحده، كما أنها لا تتقدم بالشعارات. تبنى حين تتحول المطالب إلى مشاريع، والمشكلات إلى حلول، والأفكار إلى قرارات، والوعود إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.
لهذا أعتقد أن «وطني وجهتي» يستحق أن يكون أكبر من مجرد مهرجان؛ يستحق أن يكون مساحة نرى فيها وطننا كما هو: بجماله وإنجازاته، وبنواقصه وتحدياته أيضًا.
عين تقول: هذا جميل، فلنفتخر به.
وعين أخرى تقول: هنا نقص، فلنصلحه.
وبين العينين تكتمل صورة الوطن.
إذا كان الوطن وجهتنا، فإن كيفه جزء من تلك الوجهة ....تستحق أن نحتفي بجمالها، وأن نستمع إلى أهلها، وأن نرفع مطالبها، وأن نحلم لها بمستقبل يليق بها.








