تبرعات غزة في موريتانيا: سؤال الشفافية الذي لا يحتمل التأجيل

تصريحات السفير الفلسطيني في نواكشوط، بشير أبو حطب، بشأن عدم وصول بعض التبرعات التي جُمعت في موريتانيا باسم دعم سكان غزة، لا يمكن التعامل معها كتصريح عابر أو سجال إعلامي محدود. إنها، بحكم طبيعتها وحساسيتها، تضع الرأي العام أمام سؤال كبير يتعلق بالثقة، والشفافية، واستغلال العاطفة الشعبية تجاه قضية فلسطين.

فإذا كانت هذه التصريحات غير دقيقة، فإن الأمر يمس صدقية ممثل دبلوماسي يتحدث باسم شعب يحظى بمكانة خاصة في وجدان الموريتانيين. أما إذا كانت صحيحة، فنحن أمام مسألة أخطر: أموال جُمعت باسم مأساة إنسانية كبرى، وباسم شعب محاصر ومنكوب، دون أن تصل إلى وجهتها المعلنة.

في كلتا الحالتين، لا يكفي الصمت، ولا يجوز الاكتفاء بتبادل الاتهامات. المطلوب هو تحقيق واضح وشفاف، يحدد بدقة من جمع الأموال، وبأي صفة، وكم بلغت، وأين وُجهت، وما هي القنوات التي سلكتها، ومن تسلمها في النهاية.

لقد تبرع كثير من الموريتانيين بدافع إيماني وإنساني عميق، ومن قوتهم المحدود، نصرة لأهل غزة في واحدة من أقسى محنهم. ولهذا فإن أي غموض حول مصير تلك التبرعات يمثل إساءة مزدوجة: إساءة للمتبرعين الذين وثقوا، وإساءة للفلسطينيين الذين جُمعت الأموال باسمهم.

القضية هنا ليست خصومة مع جهة أو شخص، ولا تشكيكًا في النوايا قبل قيام الدليل. لكنها قضية مسؤولية عامة. فالعمل الخيري، خصوصًا حين يرتبط بحرب ومجاعة وحصار، يحتاج إلى أعلى درجات الوضوح، لأن الثقة حين تُهدر يصعب ترميمها.

على الجهات الرسمية والرقابية، وكذلك القائمين على حملات التبرع، أن يقدموا للرأي العام كشفًا دقيقًا وموثقًا. فإما أن تثبت سلامة المسار، وتُرفع الشبهة، وإما أن تظهر اختلالات تستوجب المحاسبة.

غزة ليست عنوانًا للمزايدة، ولا وجعها مجالًا للتوظيف أو التجارة بالعاطفة. وما قاله السفير الفلسطيني، سواء ثبت أو نُفي، فتح بابًا لا ينبغي إغلاقه قبل معرفة الحقيقة كاملة.

أقلام

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.