في مطلع القرن العشرين، حين بدأت مدنٌ إفريقية كبرى تشقّ طريقها نحو الحداثة، كان إدخال شبكات الصرف الصحي أحد أبرز مؤشرات التحول الحضري. ففي الدار البيضاء والجزائر العاصمة، انطلقت أولى الشبكات المنظمة خلال الحقبة الاستعمارية، ثم توسعت وتطورت بعد الاستقلال لتواكب النمو العمراني. أما داكار، فقد عرفت بدورها بدايات مماثلة، وإن بوتيرة أبطأ، لكنها أرست مبكرًا أسس البنية التحتية للصرف. وعلى النقيض من ذلك، بقيت مدينة باماكو تتأخر نسبيًا، لتبدأ مشاريعها في منتصف القرن العشرين.
في هذا السياق الإقليمي، تبدو نواكشوط وكأنها تلتحق متأخرة بقافلة البنى التحتية، إذ لا تزال، مع نهاية سنة 2026، تتلمّس طريقها نحو إنشاء شبكة صرف صحي حضرية متكاملة، بعد عقود من الاعتماد على الحلول الفردية كالحفر الامتصاصية. وهذا التأخر لا يعكس تقصيرًا بقدر ما يجسد تعقيد الظروف الطبيعية والعمرانية التي طبعت نشأة المدينة وتوسعها السريع.
لقد طال انتظار مشروع الصرف الصحي في نواكشوط، حتى بات يُنظر إليه بوصفه خطوة مفصلية في تاريخها الحضري، ليس فقط لما يوفره من حماية صحية وبيئية، بل لما يحمله من وعد بإعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والمجال. غير أن هذا المشروع، رغم ضرورته، يواجه منذ بداياته جملة من التحديات العميقة، لعل أبرزها صعوبة ربط النسيج العمراني القائم بهذه الشبكة الجديدة.
فالمنازل، التي بُنيت في غياب تصور مسبق لشبكة جماعية، تعتمد في الغالب على تجهيزات داخلية بدائية أو غير مطابقة للمعايير، ما يجعل عملية الربط التقني معقدة ومكلفة. وتزداد هذه الصعوبة في ظل محدودية الإمكانيات المالية لشرائح واسعة من السكان، الذين قد يجدون في كلفة الربط عبئًا إضافيًا لا يستهان به، مما قد يؤدي إلى عزوف أو تأخر في الالتحاق بالشبكة، وبالتالي إضعاف فعاليتها.
ولا تقف التحديات عند الجانب التقني أو المالي، بل تمتد إلى البعد السلوكي والثقافي، حيث لا يزال الوعي بضرورة الصيانة الدورية وحسن استعمال الشبكة محدودًا. فشبكة الصرف، مهما بلغت جودة تصميمها، تظل عرضة للتعطّل إذا أسيء استخدامها أو أُهملت صيانتها.
يضاف إلى ذلك الطابع الجغرافي غير المنتظم للمدينة، التي تتميز بانتشار أفقي واسع، وتفاوت في المناسيب، حيث تقع بعض أحيائها في مناطق منخفضة قريبة من مستوى المياه الجوفية. وهذا الواقع يفرض تحديات إضافية، مثل صعوبة التصريف بالجاذبية، واحتمال تسرب المياه الجوفية إلى القنوات، أو حتى رجوع المياه نحو المنازل في حالات الضغط أو الأعطال.
لمواجهة التحديات آنفة الذكر، تبرز ضرورة إشراك بلديات نواكشوط في مواكبة هذا المشروع منذ مراحله الأولى. فحضور البلديات في مرحلة الدراسات يتيح إدماج خصوصيات الأحياء واحتياجات السكان، ومشاركتها أثناء التنفيذ يضمن تتبع الأشغال ومعالجة الإشكالات الميدانية في حينها، أما خلال مرحلة الاستغلال، فيمكّنها من المساهمة في تنظيم الربط، ومراقبة الاستعمال، واقتراح حلول واقعية للتحديات اليومية. إن هذا الإشراك لا يعزز فقط فعالية المشروع، بل يمنح البلديات القدرة على تطوير أدوات تدخل محلية تحدّ من الآثار السلبية، وتضمن استدامة الخدمة على المدى الطويل.
إن هذه التحديات، على تعددها، لا ينبغي أن تُفهم بوصفها عوائق مستعصية، بل كمعطيات يجب استيعابها في إدارة المشروع. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة متكاملة، تقوم أولًا على وضع برنامج واضح ومنظم لربط المنازل، يتضمن تبسيط الإجراءات، وتقديم دعم مالي أو تسهيلات للأسر ذات الدخل المحدود. كما يستوجب الأمر فرض مراقبة تقنية دقيقة على عمليات الربط، لضمان مطابقتها للمعايير.
ومن جهة أخرى، تبرز أهمية إطلاق حملات توعية واسعة، تستهدف ترسيخ ثقافة الاستعمال السليم والصيانة، باعتبارها شرطًا أساسيًا لاستدامة الشبكة. ولا يقل عن ذلك أهمية اعتماد حلول تقنية ملائمة لخصوصيات المدينة، كإنشاء محطات ضخ في المناطق المنخفضة، وضمان عزل القنوات لمنع تسرب المياه الجوفية.
وأخيرًا، فإن نجاح مشروع الصرف الصحي في نواكشوط لن يُقاس فقط بامتداد القنوات تحت الأرض، بل بمدى اندماجه في الحياة اليومية للسكان، وتحوله إلى ممارسة حضرية راسخة. إنه مشروع يتجاوز البنية التحتية ليطال جوهر التحضر ذاته، ويضع المدينة على أعتاب مرحلة جديدة، طال انتظارها، لكنها اليوم أقرب من أي وقت مضى.
محمد الامين الطالب عبد الرحمان
مهندس اشغال عامة
متخصص في شبكات المياه و الصرف الصحي و حماية المصادر المائية.






