كانت فرحة سكان ولاية لعصابه والأهالي في مدينة كيفه كبيرة حين علموا أن المهرجان الدولي للتمور في نسخته الرابعة سينظم في مدينتهم، وعبروا في كل الفرص التي سنحت لهم عن الاستعداد التام والتفاعل لإنجاح هذه التظاهرة التنموية؛ غير أن صدمتهم وخيبة أملهم بدأت مبكرا حين لاحت في الأفق بوادر فشله أسابيع قبل انطلاقه.
التحضير دون مشورة :
لم تشهد مدينة كيفه أي اجتماع أو تشاور حول تنظيم هذا المهرجان غير تواجد قليل في البلدية دعا له العمدة وكان لحظة عابرة لم تتوج بأي أفعال، وعدا ذلك فإن ما جرى كان في العاصمة انواكشوط ووراء الأبواب الموصدة.
الفاعلون والمتفاعلون مع هذا المهرجان ظلوا تائهين بين الدور الحكومية في مدينة كيفه ؛ وهم يسألون عن الجهة التي تُعنى بهذا المهرجان ويستفسرون عن البرنامج والخطة وعن سقف التمويل ومواضيع المسابقات دون جدوى ،فكل مسؤول يلقاهم يدعي أنه غير معني ،وأن المسؤولية تقع على طرف آخر ، وبين هذه المخاتلات التي يتعمدها هؤلاء المسؤولون ضاعت الحقيقة وغابت المعلومة حتى ظهرت موركوم ورجل أعمال واحد استوطن الولاية منذ بعض الوقت فجمعوا في أيديهم أهم مقاولات التجهيزات المتعلقة بالمهرجان.
موجة غضب عارمة:
حَجْزُ السلطات هذه المكاسب للشركات ورجال الأعمال فجر موجة غضب شديدة بين المنظمات الأهلية العاملة في المدينة ولدى نشطاء وفاعلي المدينة ممن كانوا يتولون مسؤوليات في مثل هذه المناسبات، ودقوا كل الأبواب بما فيها الاتصال بالوزراء القادمين فلم يجدوا غير اعتذار لفظي وأن هذه الأخطاء لن تتكرر.
ردود أفعال غاضبة ومحتجة أشعلت الفضاء الإعلامي وامتلأت بها مجموعات الواتساب الجامعة للآلاف من مواطني ولاية لعصابه وهو ما شكل استفتاء صريحا كانت أغلبيته تندد بما جرى وتقيم المهرجان بالفشل المدوي.
ساعة الانطلاق:
تميز حفل الانطلاق بفشل عارم في التنظيم وكان الارتباك سيد الموقف وكان كل شيء فوضوي وتحولت فرحة السكان بالتظاهرة إل مرارة ترجمها كثيرون في تمزيق بطاقات الدعوة حين بدا عند الأبواب عدم جدواها وصار الدخول بالوساطة والمحابات والنفوذ، واختارت السلطات الإدارية بكل ديماغوجية أن تطبق قبضة أمنية على مداخل المهرجان وغصت الشوارع بالمواطنين والسيارات وتوقفت حركة المرور في وقت كان يجب أن تفتح الساحة أمام السكان فهي معرض وفرصة سياحية قبل أن تكون ثكنة عسكرية لا يقترب من محيطها إلا هالك ، وهو أمر ثار استياء الجمهور فعاد المئات إلى بيوتهم.
ساعتان وجاء الاختتام :
المفاجأة الكبرى جاءت حين أذن مؤذن بالإعلان عن الفائزين بالجوائز وكان ذلك عقب الخطابات الرسمية وهو ما اعتبره الحاضرون تعجلا غير مسبوق وإشارة إلى اختتام المهرجان ورسالة واضحة بإمكانية المغادرة.
لم يبق بعد ذلك طعم للمهرجان وانطلق الوزراء في سياحتهم وأغراضهم الخاصة وتحولت المناسبة إلى ليال حمراء من الغناء والولائم وتحرر الوفد الوزاري من كل جدية.
ينضاف إلى ذلك غياب أدوار مهمة عرفتها النسخ الماضية من سباقات للحيوانات ولعناصر التراث والتعريف بمقدرات المنطقة وأعلامها ، وفسح المجال أما الموسيقى الصاخبة لتستقطب أعدادا من الشباب تسمر للتفريج عن حياة مثقلة بالهموم في مدينة تعسة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
هذا المهرجان تحول بأيدي المنظمين إلى طبخة عاجلة يجمع الناس على تفسيرها بعادة حب "الاستبقاء" المستحكمة في نفوس المسؤولين وشغفهم بجمع المنافع مهما كان ذلك مدمرا للصالح العام ومضرا بالنشاط المكلفين بتنظيمه.
ما بقي لسكان مدينة كيفه:
أكوام من القمامة والنفايات واستهتار جديد اعتادوا عليه من طرف كل السلط وفي كافة المناسبات، واستفراد بهم حطم مصالحهم منذ عدة عقود.
لكن عزاءهم فيما افتقدوا في مهرجانهم هذا من ريع يبقى حرمانهم من مليارات الأوقية التي دفعت بها الحكومة عبر مشاريع يقودها لصوص حولوها إلى جيوبهم الخاصة تاركين آلاف الجياع يندبون حظهم.
بقي لسكان هذه المدنية المنسية جحيم عطش يمتد إلى كل أرجاء الولاية وكهرباء لا تضيء ساعة حتى تنقطع عدة ساعات وبقي لهم أن يصارعوا أسعارا عانقت الثرياء وأن لا تفتح أعينهم على مدارس معقولة أو تغطية صحية على الحد الأدنى من القبول.
لم يكن شعب لعصابه أوفر حظا في منافع هذا المهرجان من أموال هائلة وجهت إليه عبر عشرات البرامج والمشاريع بمسميات مختلفة فسلكت شعاب النهب والفساد.
بقي لهم الحي الدائم يتضرعون إليه بسقيا رحمة ونماء لا سقيا هدم ولا غرق؛ وهم الذين يعتمدون في حياتهم على قطاع تقليدي مرتبط بالمطر فشلت الدولة بعد 65 عاما من الاستقلال في الأخذ به إلى طريق التطوير.






