رغم غِنى ولاية لعصابه الطبيعي والبشري، ورغم ما تمثّله كيفه من مركز حضري واسع في قلب موريتانيا، فإن مهرجان كيفه الدولي للتمور ما يزال يتلمّس طريقه وسط عتمة التجاهل الإعلامي، ونقص الوعي المجتمعي بأهمية الترويج الثقافي، فضلاً عن غياب البنية التنظيمية التي تليق بحدث من هذا الطراز.
في بلد تتقاطع فيه المهرجانات مع التنمية، وتُوظف الثقافة لتثبيت الجغرافيا على خريطة الاهتمام الرسمي، تظلّ مدينة كيفه محرومة من العدسة، محرومة من الحبر، محرومة من الدعم الذي يليق بثقلها.
واحة أنضاوضة (Andawada): ذاكرة المدينة الغائبة
إن تنظيم مهرجان للتمور في كيفه دون التأسيس المعرفي لثقافة الواحة في المدينة، يُعد خللًا كبيرًا في التصميم الثقافي. فواحة أنضاوضة – التي تُعدّ أول واحة مسجَّلة في الولاية – لم تُمنح حقَّها لا في العروض، ولا في الفعاليات، ولا حتى في الخطاب الرسمي للمهرجان. مع أنها تشكل نواة الذاكرة الزراعية، والرمز الطبيعي الذي كان من الممكن أن يؤطر هوية المهرجان.
واحة أنضاوضة ليست مجرد مساحة نخيل، بل تاريخ اجتماعي موغل في القدم، ارتبط بقبائل وفروع وعلماء، وتحوّلت عبر الزمن إلى مجال إنتاجي وتواصلي.
التمور في قلب الصحراء: اقتصاد هشّ وفرصة مهدورة
التمور ليست فقط منتجًا زراعيًا، بل مورد اقتصادي متجدّد، وسوقٌ يمكن أن يشكّل رافعة للمدن الداخلية إذا حظي بالتحفيز والرؤية. لكن مهرجان التمور في كيفه لم يستثمر حتى الآن هذا الجانب بما يكفي، إذ ما تزال العروض تقليدية، والربط بين المزارعين والمستثمرين غائبًا، كما لم تُبذل جهود حقيقية في تسويق التمور محليًا أو تصديرها رمزيًا – ولو كمبادرة – إلى دول الجوار.
لقد كان من الممكن، مثلاً، تنظيم سوق نموذجي للتمور بأنواعها، مع شهادات جودة محلية، ومنافسات بين الواحات، وورش لتصنيع مشتقات التمر (العصائر، والعلف الطبيعي)، وهي كلها ممارسات معمول بها في واحات المنطقة.
الترويج والجهل الإعلامي: غياب يفسد الغاية
أحد أبرز نقاط ضعف المهرجان هو غياب التغطية الإعلامية المتخصصة. فلا كاميرات محترفة، ولا تقارير موثقة، ولا حتى وجود واضح للصحفيين المحليين أو المراسلين الوطنيين. هذا الغياب يُفسَّر جزئيًا بضعف الإمكانيات، لكنّ الأصل أنه يُعزى إلى عدم وعي المجتمع والمنظمين بدور الإعلام في صناعة المهرجانات.
إن القرى المجاورة لكيفه، بل حتى بعض النخب الحضرية فيها، ما تزال تنظر إلى الإعلام كترف، لا كوسيلة استراتيجية. ومن دون إعلام، لن يكون هناك مهرجان فعلي، بل مجرّد فعالية محلية محدودة التأثير والزمن.
أين علماء المنطقة ورجالاتها؟
من المستغرب أن يُقام مهرجان في قلب منطقة أنجبت علماء كبارًا كـلمرابط سيدي محمود، وسيدي ولد الغوث قائد معركة البيض 1909. ومحمد المصطفى ولد سيد يحي وعشرات الفقهاء والمربين، دون أن تكون لهم بصمة ثقافية داخل المهرجان. فكيف يُبنى مهرجان لهوية مدينة دون أن تُستعاد رموزها الفكرية والدينية والبيئية؟ وأين هو الربط بين النخيل، والمجتمع، والعلم، والدين، والذاكرة الجمعية؟
كان الأجدر بالمهرجان أن يخصّص فقرات لتكريم هؤلاء، أو ندوات حول علاقة النخلة بالتصوف، بالفقه، بالاقتصاد، وبالعمران، خاصة أن التراث الإسلامي يعطي للنخيل منزلة خاصة في القرآن والسنة.
التنافس الجهوي: مدن تتحرك وأخرى تغفو
في موريتانيا اليوم، تشهد كل ولاية تقريبًا مهرجاناتها الخاصة، تُروَّج عبر الإعلام، وتُستثمر في تقارير الحكومة، وتُقدَّم في المؤتمرات الدولية كوجه من وجوه التنمية اللامركزية. بينما تقف كيفه متأخرة في هذا السباق، لأسباب تتعلق بضعف الاستعداد، وغياب الشراكات المؤسسية، وفقر الخيال التنظيمي.
فأين هي الشراكة مع وزارة الزراعة؟ مع غرف التجارة؟ مع منظمات التمويل الأصغر؟ مع الفاعلين في التنمية الريفية؟ لماذا لا يوجد جناح دولي للتمور، أو حتى تنسيق مع دول مجاورة لها نفس المنتج مثل مالي والسنغال أو المغرب أو الجزائر؟
نحو مهرجان حقيقي: مقترحات للرؤية والتصميم
لكي يتحوّل مهرجان الدولى للتمور في كيفه إلى فعالية وطنية ذات أثر، لا بد من:
1. تهيئة إعلامية استباقية: فرق تصوير، تقارير صحفية، صفحات رقمية، دعم للمدونين والمراسلين.
2. تكريم الرموز المحلية: فقهاء، علماء، شعراء، نساء شاركن في العمل الزراعي.
3. إحياء الواحات القديمة: عبر زيارات منظمة وندوات حول تاريخها.
4. تمكين التعاونيات النسائية: في مجال تجفيف التمر وتصنيعه وتعبئته.
5. فتح فضاء للأطفال والشباب: لتعزيز ارتباط الأجيال بالثقافة الواحية.
6. إشراك المستثمرين والمصدرين: من خلال لقاءات أعمال ومعارض مخصصة.
7. إصدار كتاب تعريفي بالواحات والأنواع المحلية للتمور في كيفه.
خاتمة: النخلة رمزٌ لا تُختزل في السوق
إن مهرجان التمور الدولى في مدينة كيفه، رغم بداياته المتواضعة، يمكن أن يتحول إلى منصة للنهضة الزراعية والثقافية والاجتماعية، بشرط أن يُدار بعقل استراتيجي، وأن يُؤطَّر ضمن رؤية تنموية عميقة. فالنخلة ليست مجرد شجرة، بل رمز للهوية، للرزق، للاستقرار، وللجذور. وإذا لم تُروَ هذه الجذور بوعي ثقافي وإعلامي سليم، فإنها ستذبل في صمت.
بقلم: المختار محمد جيوان
باحث في مجال العلوم الاجتماعية
وإطار بوزارة العمل الاجتماعي والطفولة والأسرة






