لا يليق بالتقويم التربوي –وخصوصًا في الشهادات الوطنية العليا كالبكالوريا– أن يُبنى على مفاهيم مشوشة أو مصطلحات غير محرّرة، فضلًا عن أن يكرّس تلك الأخطاء في أذهان النشء، فيجعل من الغلط علمًا، ومن التقليد مغالطة تربوية. ومن المؤسف أن نرى بين الحين والآخر أسئلةً في الامتحانات الرسمية تكشف عن انعدام الدقة العلمية، وغياب المهنية في التعامل مع المصطلحات والمفاهيم المركزية.
من أبرز الأمثلة على ذلك: سؤال يدرج "الاجتهاد" ضمن "أصول التشريع الإسلامي" أو يعتبره "مصدرًا من مصادره"، على غرار الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وهذا خطأ علمي جسيم لا يصدر ممن مارس الفقه أو علم أصوله، فضلًا عن أن يُسوَّق لتلاميذ في طور التكوين، ويتحول إلى معيار للتقييم والنجاح.
الفرق بين المصدر والآلية
ينبغي في الحدّ الأدنى التمييز بين "المصدر" و**"الآلية"**:
فالمصادر التشريعية المتفق عليها هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
أما ما يُصطلح عليه بـ "الاجتهاد"، فليس مصدرًا بذاته، بل هو آلية فقهية لاستنباط الأحكام من المصادر.
هو جهد بشري يطبّق قواعد الأصول على النصوص لاستخراج الأحكام، وليس موردًا يُؤخذ منه الحكم الشرعي مباشرة.
تسمية الاجتهاد "أصلًا من أصول التشريع" على هذا الوجه يُظهر قائلها في مقام من لم يميز بين الآلات والمصادر، وبين السبيل والغاية، وهي منزلقات مفهومية لا تليق بامتحان وطني، ولا بعقل تربوي مسؤول.
خطورة هذه المغالطة
إن في هذا الخلط عدة مفاسد:
1. تزييف للمعرفة الأصولية: فإدراج الاجتهاد كمصدر يجعل الطالب يعتقد أن الحكم الشرعي قد يُستقى مباشرة من ذهن المجتهد، لا من النصوص.
2. خلط بين المتفق عليه والمختلف فيه: فحتى بعض ما يُسمى مصادر مختلف فيها، كالمصلحة المرسلة أو الاستحسان، لم تُدرج في المصادر الأربعة إلا ضمن خلاف معتبر. فكيف يُسوّى بينها وبين "الاجتهاد" الذي هو آلة عمل لا أصل حكم؟
3. تشويش على بناء الملكة الفقهية الناشئة: فالطالب الذي يُلقّن هذه المغالطة سينشأ على مفاهيم فاسدة لا تصلح لبناء عقلية فقهية راشدة.
4. انعدام المهنية التربوية: إذ لا يُنتظر من التقييم التربوي إلا أن يكون محكمًا في المصطلح، دقيقًا في البيان، محافظًا على البناء المفهومي المتّزن.
دعوة للمراجعة والإصلاح
إننا نهيب بالجهات المشرفة على وضع الامتحانات، خصوصًا في مادة التربية الإسلامية، أن تراجع هذه المفاهيم بدقة علمية، وتستكتب في لجانها أهل التخصص الراسخين، وألّا تُسند صياغة أسئلة المصطلحات الشرعية لمن لم يتلقَّ تكوينًا متينًا في الفقه وأصوله. فليس من التربوي في شيء أن يُمتحن التلاميذ في مغالطات علمية، ثم يُحاسبون عليها وكأنها من قطعيات الشريعة.
كما نؤكد أن التقويم التربوي لا ينبغي أن يكرّس التلقين على حساب الفهم، ولا أن يقدّم الشائع على المحرر، ولا أن يسوّي بين اصطلاحات التراث بما فيها من خلاف، دون تفصيل أو تحقيق.
الاستاذ الفقيه محمد ولد الصحه






