إلى الرئيس المالي إبراهيما بوبكر كيتا
وكالة كيفة للأنباء

بادئ ذي بدء أزف التحايا والتهانئ إليكم يا فخامة الرئيس بمناسبة تنصيبكم رئيسا لجمهورية مالي الشقيقة ،تلك الجارة المسلمة العزيزة على قلوبنا ،والتي نتقاسم نحن وإياها الجغرافيا والتاريخ والثقافة والمصير المشترك ... وأسأل الله أن يوفقكم ويسددكم في مأموريتكم الرئاسية لما فيه كل خير وصلاح لبلدكم ولشعبكم ،وأن يعينكم على الوفاء بتلك الالتزامات والعهود التي قطعتم على أنفسكم إبان حملتكم الانتخابية ،والتي منحكم الشعب المالي ثقته على أساسها في انتخابات حرة وشفافة ،وأنتم أهل لتلك الثقة – ان شاء الله تعالى – فلقد فرحنا واستبشرنا خيرا في موريتانيا بفوزكم في الانتخابات الرئاسية لما عهد منك شخصيا من الود والصداقة لبلدنا أيام كنت رئيسا للوزراء في مالي ،ونحن متفائلون جدا أن علاقاتنا بأشقائنا الماليين ستتعزز وتتقدم أشوطا إلى الأمام بتوليكم مقاليد الأمور في هذا البلد .

فخامة الرئيس: بعد هذه التهانئ والتباشير اسمحوا لي بهمسة خفية في أذن فخامتكم فحواها أن التحديات والمسؤوليات التي تنتظركم بفارغ الصبر ،والآمال التي تعلقها شعوب المنطقة على مجيئكم جسيمة وكبيرة ومتشعبة أيما تشعب – وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه – أولها وأخطرها وأحظاها بالاهتمام تحديات المشكلة التي تواجه شعبكم في إقليم أزواد ،تلك المشكلة المزمنة التي عجز أسلافك من الرؤساء من لدن استقلال مالي سنة 1960 إلى مجيء فخامتكم أن يجدوا لها الحل المناسب الذي ينهي الصراع الدائر في هذا الإقليم الذي يزخر بصنوف كثيرة من الثروات الطبيعية من معادن وغيرها ،حتى تتقدم عجلة التنمية والبناء فيه – ولو شبرا – إلى الأمام ،مما جعل هذا الإقليم الذي يمثل 65% من أراضيكم مرعى ممرعا لنشاطات الجماعات الإرهابية وتجار المخدرات وقطاع الطرق التي لم يقتصر خطرها على أراضيكم بل تطايرت شظايا ذلك الخطر حتى بلغت جميع أجزاء المنطقة ،فلا تحسبن يا فخامة الرئيس أن تلك المشكلة يمكن حلها عسكريا ،أو أن الجيش الفرنسي وأعوانه من جيوش دول الايكواس وميلشيات الكونداكوي يمكن للجميع أن يقضي على هذا الصراع بإخماد تلك الثورة العارمة في إقليم أزواد الملتهب ،بل إن الحلول التي ينبغي أن تضعوها نصب أعينيكم لتلك المشكلة لا بد أن تكون حلولا سلمية وتنموية ،فشعبكم الأزوادي يشعر بالكثير من الغبن والحرمان والتهميش من لدن الحكومات المتعاقبة قبل فخامتكم ،مما ولّد في نفوس الكثير من أبناء هذا الإقليم الكراهية والنفرة من كل ما له صلة أو تعلق بالحكومة المركزية في باماكو ،الشيء الذي يستوجب أن تولوا المصالحة والمصارحة الوطنية في برامجكم وخططكم التنموية ما تستحقه حتى يقتنع جميع أبناء الدولة المالية بيضا وسودا أنهم أبناء بلد واحد ،ويتقاسمون مصيرا واحدا ،وأن مالي بلد للجميع ،غنمه لهم وغرمه عليهم بدون تفرقة . وقد أحسنت إذ أنشأت وزارة للمصالحة الوطنية ،عسى أن تكلل خططها وبرامجها بالنجاح لرأب الصدع بين أبناء الشعب المالي الشقيق ،علما بأن هذه المصالحة لابد لها من طول نفس في الطرح وفي البرامج والخطط ،ولابد كذلك من ترجمة لتلك الخطط والبرامج ترجمة عملية على أرض الواقع .

وإني أربأ بك يا فخامة الرئيس عن أن تكتفي حكومتكم بالحلول الجزئية المؤقتة التي لا تلبث أن تنتهي صلاحيتها بعد زمن قصير ،ولا شك أنه من الأهمية بمكان إشراك المعنيين في أية خطة تتم لهذا الغرض ،وقد اتضح صدق نيتكم تجاه المصالحة الوطنية بتعيينكم وزيرين من إقليمكم الأزوادي ،وترقيتكم لبعض الضباط في هذه المنطقة لرتب سامية ،ولكن ذلك – مع ما يكتسي من أهمية – لا يكفي وحده ،فلا بد أن يتصدر جدول أعمال حكومتكم الموقرة إعادة إعمار مدنكم التي دمرتها الحروب ،وإعمار تلك التي لم تكن عامرة من قبل ، بإدخال وسائل الحياة الضرورية إليها من ماء وكهرباء ومرافق صحية وتعليمية ،ووسائل للاتصال ،وشبكات للطرق تربط بين جميع ولاياتكم ... حتى تفكوا العزلة عن كافة أجزاء الإقليم الشرقي،وتجسدوا وجود الدولة ببسط نفوذكم على حوزتكم الترابية ،الشيء الذي يمكّنكم من تحقيق الأمن والأمان للمواطن الأزوادي بل ولجميع أبناء الشعب المالي بعد غياب تام للنظام في ذلك المنكب البرزخي الذي استغلته الجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية،والتي استنفدت مطاردتها بعد ذلك الكثير من طاقاتكم بل وطاقات جيرانكم وحلفائكم.

فخامة الرئيس كيتا : اعلم أننا في جارتك الغربية (موريتانيا ) بحكم ما أسلفته من الأواصر بيننا وبينكم ،ومكافأة لجميل ما قدمناه وما نقدمه لكم من الخدمات الجليلة التي - في الحقيقة - تمليها علينا قيمنا وأخلاقنا ،بل وديننا الحنيف تجاهكم كان آخرها استقبالنا لعشرات الآلاف من مواطنيكم الفارين من لهيب نيران الحرب الدائرة بينكم وبين الجماعات الإرهابية ،استقبلنا أولئك اللاجئين في مخيمات (امبره) وغيرها من مقاطعة باسكنو بالبشر والترحاب ،وتقاسمنا معهم الأقوات والمعايش،كل ذلك يستأهل من فخامتكم تثمينه وشكره لموريتانيا ،وعلى وجه الخصوص لفخامة زميلكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي وقف مع مالي في السراء والضراء وقفة الرجال الأبطال ،متمثلا ومطبقا وصية الشاعر الحكيم :

وكن على الدهر معوانا لذي أملٍ ++ يرجو نداك فإن الحر معوان .

فخامة الرئيس كيتا : ان جارتكم موريتانيا هي أول من دق ناقوس خطر هذه الجماعات الإرهابية التي تؤرقكم مطاردتها الآن في الشمال المالي بعد أن عشعشت وباضت وفرخت فيه ، ولم يتردد الرئيس محمد ولد عبد العزيز في محاربتها وتلقينها الدروس الصعبة في أوكارها ، وقامت موريتانيا بذلك العمل بمفردها معتمدة على الله تعالى ثم على قدرات جيشها ،ولم تطلب معونة من قريب ولا من بعيد ،فعلت حكومتنا ذلك بعد أن نالنا خطر هذه الجماعات بانتهاك حرمة أراضينا في عمليات غدر دنيئة راح ضحيتها بعض جنودنا البررة ، ولتتذكروا معي – يا فخامة الرئيس كيتا – أنه حينما تمت الموافقة في الأمم المتحدة على إرسال قوات لحفظ السلام والوئام في إقليمكم الشرقي ،كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز أول رئيس عربي يلبي النداء بموافقته على إرسال قوات من الجيش الموريتاني يبلغ تعدادها 1800 جنديا ،تساعد الجارة المصاقبة على ضبط أمنها ووئامها بما يكفل الحفاظ على المصالح المشتركة بين الدولتين الشقيقتين .

فخامة الرئيس كيتا : حرصا منا على توطيد العلاقات الأخوية بيننا نرى أن لنا الحق - من باب مصارحتكم – في تسجيل ما وجدناه عليك في جولتك التي قمت بها بعد انتخابك رئيسا في 11/8/2013 والتي قادتك إلى بعض العواصم الإفريقية المجاورة لمالي واستثنائك لنواكشوط من تلك الجولة ،كما أنك في بعض خطاباتك - التي تناقلتها وسائل الإعلام – شكرت بعض الدول المجاورة لبلدكم على دورهم في تحرير مالي من الإرهاب ،وذكرت كل الجيران بالاسم باستثناء موريتانيا ،فكل ذلك لم نكن نتوقعه من فخامتكم ،ولعلكم أحسستم بذلك التقصير تجاه موريتانيا قائدا وشعبا فأردتم تلافي ما فات في خطاب تنصيبكم يوم أمس 19/9/2013 .

لقد تناقلت بعض الوكالات الإخبارية أن أشقاءنا الماليين لم يرق لهم شرط اشترطته موريتانيا في قواتها التي قررت إرسالها ضمن إطار قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والذي يتمثل في أن تنتشر القوات الموريتانية في المناطق المالية المحاذية لحدودنا معها ، ليسهل بذلك علينا مواصلة قواتنا وتعاهدها بالمدد اللوجستي والعسكري عند اللزوم ، وهذا الشرط – في نظرنا – يرى المنصف المحايد أحقيته وعدالته ،وهب أننا لم يقبل منا هذا العذر !! ألا نستحق أن يرد فينا قول الشاعر :

فإن يكن الفعل الذي ساء وا حدا +++ فأفعاله الائي سررن ألوف . ؟

إن موريتانيا ومالي - بحكم المصالح المشتركة والحدود الجغرافية الشاسعة والأواصر الثقافية والتاريخية.... – قرينتان ،لا يمكن أن تستغني إحداهما عن الأخرى ،وأي خطط أو حلول مشكلات في إحدى الدولتين لم تؤخذ فيها الأخرى بعين الاعتبار ستبقى هذه الحلول ناقصة ،فعلينا أن نتعاون جميعا على ما يحقق مصالحنا المشتركة بإشراك بعضنا بعضا في كل معضلة تواجهنا حتى نتمكن من حلها مجتمعين متعاونين ،فالخطر واحد والمصير مشترك،وكل الأواصر تجمعنا ولا يوجد أبدا أي عامل للتفرقة بيننا .

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى ،وأعاننا جميعا على أداء الأمانات التي تحملناها إنه ولي ذلك والقادر عليه .


  
وكالة كيفه للأنباء - AKI
2013-09-22 00:54:09
رابط هذه الصفحة:
www.kiffainfo.net/article4528.html