أبجديات السياسة والدبلوماسية في الأمثال الموريتانية
وكالة كيفة للأنباء

الحكمة هي ضالة المؤمن أنا وجدها فهو أحق الناس بها كما في الحديث لهذا كان لزاما علينا أن نبحث ونعمل بمقتضاها، فالحكمة كما يقال، هي ذلك الكلام المفيد الذي يقبله الناس جميعا بمختلف أجناسهم وأعراقهم ومذاهبهم، وغالبا ما تخرج من أفواه الحكماء المجربين والعلماء الربانيين من مختلف الحضارات والأديان والبلدان، ومنها ما هو من كلام الأنبياء والمرسلين أو الصحابة والتابعين أو الفقهاء والمحدثين أو الفلاسفة والمؤرخين أو الرؤساء والسلاطين.

وقد جمعت ما وقعت عليه عيني وما وقرَ في أذني من الأمثال التي تحتوي على حكم مفيدة وقيم عظيمة ترفع الهمم وترتقي بالأمم، لأنها نتاج خبرات الشعوب وتجارب العظماء، وإذا نظرنا فيها لوجدنا أن بعضها كانت الشرارة التي غيرت حياة بعض العلماء، أو كانت البذرة للإبداعٍ والإنجاز والاختراع والتفوق والنبوغ والصلاح والرشاد، فكم من العباقرة والعلماء كان السبب في نبوغهم حكمة أو مقولة مأثورة، أو بيت شعر يحمل معناً حكيما، وكم من مخترعٍ حمله على التجريب كلمة سمعها أو حكمة تلقفها، قال تعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ).

ومن الامثال الشعبية التي ورثناها من أجدادنا الموريتانيين في مجال السياسة وفنون الدبلوماسية، قولهم (ثالث السِرْ اندامَه) وهو مثل يضرب في ضرورة كتمان المرء لسره وعدم إطلاع الناس عليه، وإن كان لا بد من البوح به فلا ينبغي أن يتجاوز فردا مؤتمنا لا أكثر (خمَم قبل اكلامك) ويضرب في أهمية التفكير فيما ستقوله قبل أن تتفوه به أمام الآخرين (يَمين الحِرْ افصَدرُ) ومعناه أنه ليس من الضروري أن يبوح المرء بكل ما يدور في خلده ويجول في خاطره مما يعتزم العمل به (ش خاظ الراصْ امرك للناس) والمراد به أن رأس الانسان هو صندوق أسراره مما يعني أن ما يحتويه في ذهنه لن يطلع عليه غيره إلا بإرادته، وهو ما يحتم عليه أن يحتفظ بأسراره دائما (الفمْ الظيك ما يَدِخلُ الذنبان) ويقصد بهذا المثل أن من قل كلامه وضاق فمه قلت أخطاؤه وأن من كثر كلامه واتسع فمه ازدادت زلاته وتكررت هفواته (كول اكلامك واعرف كد اجماعتك) أي أن المتحدث عليه أن يتعرف على جلسائه قبل أن يتكلم حتى لا يتقولوا عليه ما لم يقل أو يتفوّه في حقهم بما قد يندم عليه (الناس المعلومه تتخالص فاعقوله) ويشير إلى أن العقلاء يتعاملون فيما بينهم بصمت دون الحاجة إلى الكلام، ويكافئ كل منهم الآخر أو يعاقبه دون أن يُشعِرَه بذلك (لا عجل كبل اصلاح) وهو مثل يستنكر الاستعجال قبل نيل الأرب (اسكن إلين تتمكن) ويدعونا هذا المثل إلى ضرورة التأني من أجل الحصول على المراد (يمش بالشور ال فخلاك يجْر) ولا يختلف هذا المثل في معناه عن سابقيه حيث يؤكد على أن الانسان يمكن أن يُدِيرَ أمورَه ويُدبّر شؤونَه بهدوء حتى لو كان في نيته الاستعجال (محدك ما عدت اكمير لا تظهر) وهو مثل يحثنا على عدم إظهار قوتنا في أي مجال حتى تصل إلى درجة الكمال والتمام المطلوبة.

وفي المجال الدبلوماسي: يقول أجدادنا (ليدْ الِّ ما كديْت تكطعْ حِبْهَ) وهو مثل يؤصّل قاعدة دبلوماسية جميلة وهي أنه إذا لم تستطع أن تضر عدوك فتظاهر له بالمودة والمحبة حتى لا تستعديه ضدك فيتوحش عليك (الفارظه واسيه خصله) ويصب هذا المثل في الاتجاه نفسه إذ يؤكد على ضرورة استغلال العَجز فيما ينفع، وهو أنه إذا فرض عليك ما تكره ينبغي أن تتعامل معه على أساس أنك تحبه فذلك أريح للنفس وأنكى للعدو (إلّ لاه يجَلّجْ لا ينسَ عن همُ) والمراد به أن على العاقل أن يكتم غيظه ويكبح جماح غضبه عند الخصومات وينظر بعين البصيرة حتى لا يجرّه الانفعال إلى ضياع مصالحه (ال يعرف صنعت جمل ما إطيح) ويعني أن على الانسان أن يعرف عقل ومزاج من يتعامل معه من الناس كي يهتدي إلى الطريقة الامثل للتعامل معه (ال ماه عندك كولنك ما تبقيه) وهو مثل يدعونا إلى القناعة وعدم إظهار الحاجة والضعف خاصة إذا استحال الحصول على المراد (الراحل عن دارُ ما يحرك ازرَبه) ويقصد به أنه يجب علينا أن نحافظ على مقتنياتنا وعدم التفريط فيها حتى لو لم يعد لنا فيها وطرٌ لأننا قد نحتاج إليها في أي وقت، كما ينبغي أن نحرص على بقاء علاقتنا الطيبة مع جيراننا عند فراقهم (لا تبق حت لعل ولا تكره حت لعل) والمراد به أننا ينبغي أن لا نبالغ في كره أعدائنا ولا محبة أصدقائنا لأن العدو قد يتحول إلى صديق والصديق قد يتحول إلى عدو (ساو بين اجمالك ما تعرف اعل أيهم تعكب) وهو يعني أن من الحكمة أن نعدل في علاقاتنا بأبنائنا وإخواننا وحلفائنا وجيراننا لأننا لا ندري في أيهم ستكون لنا معه العواقب (ال اجبر شواي ما ينحرك أيديه) والمقصود به أنه من الحماقة أن يشتغل الإنسان بأمر وهو يجد من يستطيع أن يقوم به عنه، كما يوصي المثل بضرورة تفويض المهام الادارية لمن يمكنه القيام بها (تظحكلك السن التحته السم) ومعناه أنه ينبغي لنا أن لا نغتر بابتسامة عدونا لأنه قد يخفي وراءها حقدا شديدا ومكرا خطيرا (اسكات افبل اجواب اندامه) يحذرنا هذا المثل من مغبة السكوت عن الجواب خاصة في الاوقات التي يجب علينا أن نتكلم فيها لندافع عن أنفسنا أو لنأمر بمعروف أو ننهي عن منكر أو لإثبات حقيقة كانت ضائعة (ال اتخل قاب يزوي زيْ طيوره) وهو أن العاقل ينبغي أن يتكيف مع واقعه الاجتماعي خاصة إذا كان في غربة، لأن ذلك يساعده عليه الاندماج فيه (الين اتعود بين العور اكصر افعينك) يعني أن من الحكمة أن تتماشى مع ما هو سائد في محيطك حتى لو لم تكن مقتنعا بما يجري فيهن ريثما تتغير الامور وتتبدل الأحوال (ال اتريالك خرص ركبت امراح) ويعني أن من أشار إليك برأيه ينبغي أن لا تعمل بمقتضى نصيحته حتى تنظر إلى واقع حاله لتعرف هل أشار إليك بما يعمل به أم لا (أخير ال يرعاه سابق ما فات لحكت) ومعناه أن عليك أن تستعد لنكبات الحياة ومصاعب الزمن قبل أن تباغتك وأنت في غفلة منها (انهار ماه لك خليه) يؤكد هذا المثل على القاعدة السياسية المعروفة وهي: أن الساسة فنُ الممكن، وأن على الانسان أن يُساير الزمن والواقع ريثما يَجد الفرصة المناسبة (الكف ما إعاند اللشفه) ومن خلاله نعلم أن الضعيف لا ينبغي أن يعاند القوي (ال ماه قدك ريك لا اتساف امعاه ادكيك) ولا يبتعد هذا المثل كثيرا في مدلوله عن سابقه حيث يحذرنا من مغبة مصارعة أو منافسة من هو أقوى منا عدة وعتادا وأكثر قدرة وإمكانات (الّ بيتُ من الزاج ما يزرك الناس) ومعناه أنَ علينا أن نعرف قدر ذواتنا ونلتمس نقاط ضعفنا حتى لا نهاجم الآخرين ونحن لا نستطيع رَدّة فعلهم (كلمَه من حرْ اعليه ديْن) ومن خلاله نتعلم أن وعد العاقل دين مستحق يجب عليه أن يؤديه، لهذا لا ينبغي أن نعد بوعد إلا إذا كانا قادرين على الوفاء بها.

وفي مجال الاهتمام بالعمق الاستراتيجي والبعد الاجتماعي يقول أجدادنا (ال ماه من اظهر إطيح) وهذا المثل يدعونا إلى ضرورة الاعتماد على عمقنا الاجتماعي والإقليمي والدولي وأن نركز في علاقاتنا البينية على الأصدقاء الأصليين الثابتين وليس على الأصداء المزيفين الطارئين (الّ اعشاك واعشاه في اكدح إلى اتل إكبُ لا اتخليه) ويحثنا هذا المثل على ضرورة الحرص والحفاظ على المصالح المشتركة التي تربطنا مع الآخرين وأن نعرف عمقنا الاستراتيجي ونحافظ على محيطنا الاجتماعي ولا نقبل بالعبث به لأن ذلك يضرنا كثيرا.


  
وكالة كيفه للأنباء - AKI
2013-04-01 06:26:34
رابط هذه الصفحة:
www.kiffainfo.net/article3252.html