المجد للشيطان/أبو العباس ولد أبرهام
وكالة كيفة للأنباء

تصوروا لو أن إبليس لم يقم بمغامرته الفلسفية ضد آدم. كان الأمر سينجم عن خلخلة في قوانين الموسيقى حيث كنا سنضطر إلى استخدام عبارة "إبليس عليه السلام" و هكذا يتم إقصاء الجيم كمقابل للسين في القوانين الموسيقية. بفضل انشقاق إبليس أصبح ممكنا وضع الجيم كنقيض موسيقى للسين فيقال "إبليـس الرجـيم" تماما كـ"جـبريل عليه الـسـلام". و لا يعوض تناغم الجيم مع السين في سيمفونية الخلق إلا حرف العين حيث "جـبريل عـليه الـسـلام" و "عـزرائيل عـليه الـسـلام" و "إبليـس لـعـنه الله".

طبعا أنا أنتمى لمدرسة موسيقية أخرى و لا أصدق ترهات الموسيقار شوبان هذه في تناغم الحروف كأساس للموسيقى. بالنسبة لي فإن الكون كله يمثل انتظاما موسيقىا بما فيه الأصوات الشاذة المتناقضة موسيقيا (أرجوكم لا تفهمو في الأمر تبريرا لـ"موسيقى" الراب و الجاز أو "الأغنية" الشبابية العربية). وحتى قبل تأسيسات إبليس كانت موسيقى الملائكة تسود في الكون: "سبوح قدوس" السرمدية التي ترج الكون بهدوء الإيمان و قوته الصامتة. الموسيقى الصوفية في حلق الذكر و انتظام "يا ديان و يا منان" التي تدور في فلك ترادات "حي، حي" الرتيبة ليست إلا امتدادا للموسيقى القدسية الأولى في السماء.

المهم، هذا ليس موضوعي. موضوعي هو أن الأسس الشوبانية للموسيقى جعلت الحديث عن الشيطان لا يتم إلا وفق رجمه و اللعنة عليه. كل حديث عن الشيطان في صيغة الاعتراف و التقدير يتناقض مع موسيقى الأصوات الحروفية. و هكذا تم حرمان الشيطان من المجد من منظور فني محض، رغم أن الشيطان كان صاحب حجة فلسفية أساسا، إذ باعتقاده "لا يستحق الإنسان السجود". و هي نفس الحجة التي قدمتها الملائكة لله اعتراضا على تمكين الإنسان من الأرض لأنه "يفسد فيها و يسفك الدماء". والأمر الثاني في حجة إبليس هو أنه يمكن الإثبات من منظور تجريبي أن الإنسان فاشل وقد أخذ إبليس على عاتقه هذه المهمة: "لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين". هذه هي مهمة إبليس عبر العصور. أكبر تجل لها إلى حد الآن هو الرأسمالية.

كان إبليس صاحب نظر رغم خطأه التاريخي إذ اعتقد أن حتمية الضياع الإنساني تعني عدم شرعية التجربة الإنسانية عموما، و بهذا المعنى فقد كان إبليس عدوا للوجودية و الظاهراتية، (أي عدوي أنا شخصيا). كانت فكرته تصب في نكران شرعية التجربة الإنسانية بغض النظر عن نتائجها؛ و هكذا بدل أن يقع في مشكلة مع آدم وقع في مشكلة مع الله. و لكن بالنهاية كان الخطأ الإبليسي خطأ فلسفيا نظميا مثله مثل "المثل" الأفلاطونية أو "الشيئ في حد ذاته" عند كانط أو "اليد الخفية" عند آدم سميث أو "الإنفجار السكاني" عند مالثوس أو حتى "حتمية الشيوعية" عند ماركس (بالمناسبة ماركس لم يؤمن يوما بالحتمية. لقد تم وضعها في فمه، ولكن هذا نقاش آخر). كان خطأ إبليس خطأ فكريا محضا. و لكنه جعله منبوذا دينيا. و هكذا حُرم من التمجيد.

وحده أمل دنقل تحدث عن مجد الشيطان بصفته صاحب رأي سياسي. ولكن بعده لا أحد استطاع تمجيد الشيطان. و لكن للأمانة تم في المقابل التوقف عن تمجيد الشياطين الصغار من الحكام العرب و الأفارقة باعتبارهم أزلام الشيطان و تمجيدهم تمجيدا له. و هذا المنع قامت به المعارضة المبدأية المخلصة المناضلة، التي لا ترفع من شأن البشر و لا تمجدهم و هكذا سقط اعتبار الشيطان في جملة سقوط التمجيد.

و لكن فجأة تراجع الثوار و المعارضون العرب و الأفارقة عن قرار تمجيد الحكام. ففي مهرجان كبير سُمع الصوت المدوي لمسعود ولد بولخير- الثوري الموريتاني الذي صار يقترب فجأة من الحاكم منذ وقت-، سمع هذا الصوت الجهوري وهو يصرخ بارتعاشته الثورية المعهودة: "المجد للمشاركين في الحوار و على رأسهم محمد ولد عبد العزيز". سمع الجميع "الثوري" يمجد الجنرال. كان صوته واضحا.

و هكذا كانت هذه هي النهاية. في ذلك المساء سقطت القوانين الموسيقية و المنع المبدأي لتمجيد إبليس. استعاد إبليس ما حرم منه في آلاف السنين. اليوم عليَّ أن أتقدم بشكر للسيد بولخير لأنه أعطاني الحق في ترنيم قصيدة أمل دنقل التي كنت محروما منها لسنوات بفعل قانون "عدم تمجيد الشيطان". لقد فتح السيد بولخير القمقم و الآن أصبح من حقنا نحن البسطاء أيضا إطلاق سيمفونية إبليس مع أمل دنقل:

المجد للشيطان .. معبود الرياح

من قال لا..

في وجه من قالوا نعم

من عـلــّم الانسان تمزيق العدم

من قال لا .. ولم يمت،

وظل روحا أبدية الألم!

الفرق بين إبليس و بقية الحكام أن إبليس على الأقل كان يمتلك فكرة.

"المجد للشيطان".

نقلا عن مدونة أبو العباس ولد ابرهام


  
وكالة كيفه للأنباء - AKI
2011-12-02 15:29:16
رابط هذه الصفحة:
www.kiffainfo.net/article169.html