كنت أراقب هذا الفضاء من بعيد لا لأن حزب الإنصاف يستحق مني شغفا ولا لأن اسمه يثير في النفس شيئا من الإنصاف فقد بحثنا طويلا عن إنصاف يفرج كربة أو يطفئ ظمأ أو يعبد طريقا فلم نجد إلا اسما جميلا معلقا على باب واقع لا يعرف من الإنصاف إلا حروفه
ورأيت العمد يتسابقون إلى أبواب التأويل وكأن الدستور حائط قصير يتخطاه من شاء ثم يواصل طريقه وكأن القوانين كتبت لغيرهم والسؤال الذي يطل من بين هذه المشاهد هل إذا اكتفى الرئيس الحالي بمأموريته الثانية سيبقى هؤلاء على العهد أم أن ولاءهم لا يعرف من الوطن إلا عنوان القصر ومن السياسة إلا كرسي الرئاسة كما كان شأنهم مع عزيز
ثم جاءت زيارة وفد حزب الإنصاف فانزاحت الستارة قليلا فإذا بالأغلبية والمعارضة تختلطان في مشهد واحد وإذا بالقبيلة تخرج من وراء الستار وتجلس في الصفوف الأولى رغم أن الدستور يحظر التجمعات ذات الطابع القبلي وكأن النصوص عندنا ضيوف شرف يحضرون الاحتفال ثم ينصرفون قبل بدايته
ويبقى السؤال الأهم ماذا جنى شباب تامشكط من هذه الأحلاف غير أن يرى الوجوه نفسها تتبدل أدوارها وتتغير مواقعها بينما تبقى المدينة واقفة عند الباب تنتظر نصيبها من الكلام الذي لا يتحول إلى ماء ولا كهرباء ولا طريق ولا مستشفى
والأغرب أن ترى منتخبا يخرج فرحا لأنه تحدث في وجه حزب الإنصاف وكأنه فتح عكا مع أن الحزب في نظر الواقع لم يقدم لتامشكط إلا فراغا طويلا ثم ترى معارضة تتنقل بين الأحلاف كما يتنقل المسافر بين الظلال فتصف هذا بالخلاف وتصف ذاك بالخصام ثم تجمع جمهورها لاستقبال الحزب نفسه
حيث يرفع الرجل سيفه على فلان ثم يضعه جانبا ليصافح علانا وكأن الخصومة عندنا موسم انتخابي تنتهي صلاحيته عند أول موكب
وفي تامشكط لا أرى فرقا جوهريا بين منتخب وغيره حين يجتمع الجميع تحت سقف حزب واحد بينما المدينة تحتهم تتداعى حجرا حجرا فالكهرباء مقطوعة حتى هذا الصباح والماء غائب منذ أكثر من خمس سنوات والطريق لا يزال حبيس الوعود والمستشفى يشبه مقبرة بلا تجهيزات تليق بالمرضى والتعليم صار أقرب إلى التجهيل مع غياب الطواقم والأسعار صعدت إلى عنان السماء والفوضى أصبحت خبرا يوميا لا يحتاج إلى مراسل
ثم بعد كل هذا يخرج علينا من يزخرف الخراب ويصب عليه ماء العطر ويطلب منا أن نصفق للإنجازات التي لا تراها إلا أعين أصحابها أما نحن فنرى واقعا أبلج لا يحتاج إلى مكياج
طبقوا لنا البرنامج الاستعجالي أو اطلبوا تطبيق طموحاتي واتركوا تامشكط لأهلها بعيدا عن تجارة الأحلاف فمن استقبل الوفد عند مشارف الصفا أو داخل تامشكط فذلك حقه ومن دعم برنامج فخامة رئيس الجمهورية فذلك حقه ومن حشد الجماهير لإنجاح الزيارة فذلك حقه
لكن ليس من حق أحد أن يجعل من حقه وصاية على حق غيره ولا أن يصادر رأي الناس ولا أن يحول الاستقبال إلى شهادة حسن سيرة ولا التصفيق إلى صك براءة من واقع يعرفه القاصي والداني
أما أنا فسأظل أكتب ما أراه لا ما يريد البعض أن أراه وسأترك للمدينة أن تتحدث بلسان عطشها وانقطاع كهربائها وطريقها المؤجل ومستشفاها الصامت ومدارسها الخاوية وأسعارها المشتعلة
فالاستقبال ينتهي حين تنصرف الجموع أما الأسئلة فتبقى واقفة على الأبواب
وما قيل في هذه الزيارة لن يمر بلا رد
والسلام
سيدي ول خطري ول سيدي لقظف






