تامشكط: آبار للصور لا للعطاش.. حين تتحول الصدقة إلى مسرحية وتضيع أموال الخيرين

عطاش في أفله: ارشيف AKI

في مشهد يتكرر في بعض المناطق التي تعاني العطش بمقاطعة تامشكط ، يتسابق وكلاء بعض المنظمات الخيرية إلى حفر الآبار لسقاية السكان، ثم يسارعون إلى توثيق لحظة تدفق المياه بحضور مواطنين أنهكهم الظمأ، لتُرسل الصور إلى المتبرعين باعتبارها دليلا على نجاح المشروع ووصول الصدقة إلى مستحقيها. غير أن هذه الفرحة، التي تُسوَّق باعتبارها إنجازا إنسانيا، لا تعمّر طويلا؛ إذ سرعان ما تشح المياه، وتعود معاناة العطش، ويكتشف السكان أن البئر التي علقوا عليها آمالهم لم تكن سوى حل مؤقت لمشكلة مزمنة.

المشكلة ليست في حفر الآبار، ولا في المبادرات الخيرية التي تستهدف تخفيف معاناة المحتاجين، بل في إقامة مشاريع مائية على شقوق مائية ضعيفة، دون دراسات فنية وهيدروجيولوجية كافية تضمن استدامة المياه وقدرة البئر على تلبية احتياجات السكان. وهنا تتحول المساعدة من مشروع تنموي يفترض أن يغير حياة الناس إلى تدخل محدود الأثر، تنتهي فائدته بعد أشهر قليلة، بينما تبقى الصور شاهدة على إنجاز لم يصمد أمام اختبار الزمن.

إن مأساة هذه المشاريع تكمن في أن نجاحها يُقاس أحيانا بلحظة تدفق الماء أمام الكاميرات ، لا بقدرة البئر على توفير مياه الشرب بعد سنة أو سنتين. فالمتبرع الذي أخرج ماله ابتغاء الأجر والثواب يعتقد أن صدقته وصلت إلى عطاش وجدوا أخيرا ما يروي ظمأهم، بينما قد لا يعلم أن المشروع الذي موّله لم يوفر لهم سوى منفعة عابرة، وأن المياه التي تدفقت أمام عدسات التصوير لم تكن ضمانا لاستمرار السقاية.

وإذا كان من حق المنظمات الخيرية ووكلائها توثيق أعمالهم وإطلاع المتبرعين على أوجه صرف أموالهم، فإن من واجبهم الأخلاقي والمهني أيضا أن يكشفوا حقيقة هذه المشاريع، وأن يتابعوا أداءها بعد التدشين، وأن يتحملوا مسؤولية التأكد من جدواها واستمرار نفعها. فالشفافية ليست صورة لبئر جديدة، ولا مقطعا مصورا للمياه وهي تتدفق، بل هي معلومات واضحة عن كلفة المشروع، والدراسات التي سبقته، ومردوديته، وعدد المستفيدين منه، وقدرته على الصمود في مواسم الجفاف.

كما أن استمرار ضخ الأموال في مشاريع لا تصمد إلا أشهرا قليلة يطرح أسئلة جدية حول أولويات الإنفاق الخيري وآليات الرقابة على تنفيذه. أليس من الأجدى توجيه هذه الأموال إلى آبار مدروسة فنيا، حتى لو كانت أقل عددا وأكثر كلفة؟ وأليس من الأولى الاستثمار في حلول مستدامة، بدلا من تكرار الحفر في المواقع نفسها أو ترك السكان يواجهون المصير ذاته بعد انقضاء فرحة التدشين؟

إن العمل الخيري الحقيقي لا يُقاس بعدد الآبار التي تُحفر، ولا بعدد الصور التي تُرسل إلى المحسنين، بل بعدد العطاش الذين يستمرون في الحصول على الماء بفضل تلك الآبار. أما أن يُستدر عطف المتبرعين بصور المعاناة، ثم تُترك المجتمعات المحلية لمواجهة العطش مجددا، فذلك إخفاق يستوجب المراجعة والمساءلة، لا الاحتفاء والترويج.

فالصدقة التي يُراد لها أن تبقى أجرا لصاحبها ينبغي أن يُبذل الجهد حتى تبقى منفعتها للناس، لا أن تنتهي قصتها بانتهاء التصوير. ومن هنا تبرز ضرورة إخضاع مشاريع حفر الآبار لدراسات فنية مسبقة، واعتماد معايير واضحة لاختيار المواقع، وإلزام الجهات المنفذة بمتابعة الآبار بعد إنجازها، ونشر تقارير صادقة عن أدائها، حتى لا تتحول أموال الإحسان إلى جيوب الوسطاء.

فالعطاش في مقاطعة تامشكط لا يحتاجون إلى صور جديدة مع كل بئر، بل إلى ماء متجدد يضمن لهم الكرامة والاستقرار. والمحسنون لا يريدون مجرد إثبات أن أموالهم أُنفقت، بل أن يطمئنوا إلى أنها أحدثت أثرا حقيقيا في حياة الناس. وبين هذين الحقين تقع مسؤولية أخلاقية كبيرة على عاتق كل من يتولى تنفيذ العمل الخيري؛ لأن أمانة الصدقة لا تنتهي عند حفر البئر، وإنما تبدأ حقيقتها حين يستمر الماء في التدفق بعد رحيل الكاميرات.

 

 

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.