كيف نبني مواطنة تتسع للجميع؟ / عبد الرحمن حمودي

تحتاج موريتانيا إلى رابطة وطنية تفسح مجالا لتعدد لغاتها وثقافاتها وانتماءاتها، وتضمن في الوقت نفسه ألا يختلف وصول المواطنين إلى الحقوق بسبب أصولهم أو مواقعهم الاجتماعية. ويقرر الدستور المساواة أمام القانون، ويعترف بالعربية والبولارية والسوننكية والولفية لغات وطنية، مع العربية لغة رسمية؛ غير أن الحكم على هذه المبادئ يبدأ من حضورها في المدرسة والإدارة والخدمات والفرص المتاحة للناس.
وقد تتساوى الحقوق في نص القانون بينما تتفاوت القدرة على ممارستها بسبب الفقر أو المكان أو آثار التمييز والتراتبيات الاجتماعية. ولذلك فإن ما نقترحه في هذا المجال هو قاعدة موحدة للمواطنة تقترن بسياسات تعالج الحرمان حيث يوجد وتتابع نتائجها، ومعالجة المظالم التاريخية بإنصاف المتضررين وتطبيق القانون وحفظ الذاكرة وتوسيع فرص التعليم والعمل والمشاركة. فبناء الثقة يتطلب أن يشعر المواطن بأن الدولة تعترف بما مس حقوق المواطنين، وأن إجراءاتها الحالية تفتح لهم طريقا أكثر عدلا إلى المستقبل.
وتحتاج السياسة اللغوية إلى عمل متدرج يمنح الوضع الدستوري للغات الوطنية مضمونا في التعليم والثقافة وبعض الخدمات حيث تتوفر الحاجة والقدرة، مع ترسيخ العربية لغة رسمية مشتركة. كما ينبغي إتاحة تعلم الفرنسية والإنجليزية وغيرهما من اللغات الأجنبية على أساس تعليمي منصف، حتى لا يصبح إتقان لغة أجنبية امتيازا تحسمه ظروف الأسرة والمدرسة. وتستطيع مدرسة تقدم تاريخ المجتمع بكل روافده أن تساعد الأجيال الجديدة على فهم تنوع البلاد، وأن تجعل الانتماء الوطني أوسع من الحدود التي رسمتها علاقات القوة والفرص في الماضي.
فالمواطنة تترسخ حين يستطيع الفرد الاحتفاظ بلغته وثقافته وانتماءاته، ويصل في الوقت نفسه إلى حقوقه من دون أن يحتاج إلى نفوذ تستمده هذه الروابط. ويظهر تقدم الدولة في هذا الاتجاه في طريقة تعامل مؤسساتها مع المواطنين، وفي مدى اعتمادها الحق والجدارة والحاجة الفعلية معايير واضحة لتوزيع الفرص.
كيف تجعل موريتانيا موقعها قوة في العالم؟
تضع الجغرافيا موريتانيا عند تقاطع الساحل والمغرب العربي وغرب إفريقيا والمحيط الأطلسي، لكنها لا تحول هذا الموقع وحده إلى قوة سياسية أو اقتصادية. ويتوقف الأمر على قدرة الدولة على تحديد مصالحها، وبناء الخبرة التي تحتاجها للدفاع عنها، واختيار شراكات تضيف إلى قدرتها الوطنية من دون أن تضيق هامش قرارها.
وتأتي علاقات الجوار في مقدمة هذه السياسة، لأن الساحل يرتبط بأمن موريتانيا من خلال الحدود وحركة المجتمعات والتجارة والممرات، إلى جانب المخاطر المسلحة. وتحتاج البلاد إلى الجمع بين حماية حدودها وتطوير علاقاتها الاقتصادية والبنى التي تصلها بأسواق المنطقة. وفي المغرب العربي، يمكن أن تنطلق علاقاتها بالجزائر والمغرب من مصالحها هي في الاستقرار وفتح الطرق والأسواق، مع المحافظة على قدرتها على التعاون معهما باستقلال عن خلافاتهما.
وينبغي أن تخضع العلاقات الأمنية مع الشركاء الخارجيين لمعيار واضح يتعلق بما تضيفه إلى القدرة الموريتانية المستدامة. فالتدريب والتجهيز يفقدان جانبا من قيمتهما إذا ظلت الوظائف الحساسة، مثل مراقبة الحدود والأمن البحري والأمن السيبراني وصيانة المعدات، معتمدة على خبرة لا تملكها البلاد. وينطبق المنطق نفسه على الشراكات الاقتصادية، التي ترتفع قيمتها حين تنقل المعرفة وتفتح الأسواق وتساعد الشركات الوطنية على أداء أدوار أكبر.
ويمنح المحيط الأطلسي موريتانيا فرصة إضافية عبر الموانئ والصيد والغاز والطاقة وربط عمقها الإفريقي بالبحر. لكن الممرات لا تصبح موردا وطنيا لمجرد عبورها البلاد؛ إذ إنها تحتاج إلى شبكات داخلية وخدمات وشركات وفرص عمل، وإلى قدرة الدولة على تنظيم حركة التجارة والطاقة بما يخدم مناطقها واقتصادها. ومن هنا تكتسب الدبلوماسية الاقتصادية معناها حين تبحث عن التمويل والتكنولوجيا والأسواق لخدمة أولويات تحددها موريتانيا بنفسها.


خاتمة


حين طرح الرئيس الأسبق، سؤال "أي موريتانيا نريد؟" قبل الاستقلال، تمثلت المهمة حينها في تأسيس دولة قادرة على تثبيت وجودها وتوحيد مجالها وبناء مؤسساتها. أما اليوم، فقد أصبح تاريخ هذه الدولة جزءا من السؤال نفسه؛ فما حققته يمنحنا أساسا نبني عليه، وما كشفته تجربتها من اختلالات يفرض علينا أن ننظر في القواعد والتفاهمات التي توزع السلطة والموارد والفرص. ولم يعد كافيا أن نسأل عما تستطيع الدولة إنجازه، ما لم نسأل أيضا كيف تتخذ قراراتها، ومن يحاسب على نتائجها، وإلى أي مدى تصل ثمارها إلى المواطنين في مختلف مناطق البلاد؟
ومن جانبنا، لا نرى في الاختلاف حول شكل النظام السياسي أو دور الدولة في الاقتصاد أو إدارة التنوع سببا لتأجيل هذا النقاش، وإنما مدخلا إلى جعله نقاشا ديمقراطيا حقيقيا. فنحن ندافع عن جمهورية تتناسب فيها السلطة مع المسؤولية، وتملك فيها المؤسسات القدرة على العمل وتخضع للمساءلة؛ وعن اقتصاد يحول الثروة الطبيعية إلى إنتاج وعمل ومعرفة، ويخضع خياراته الكبرى لحكم المواطنين على آثارها في حياتهم؛ وعن مواطنة يستطيع الفرد في ظلها أن ينال حقه ويبني مستقبله من دون أن يحدده أصله أو مكان نشأته أو نفوذه.
وإذا كانت لحظة التأسيس قد طرحت سؤال قدرة موريتانيا على أن تصبح دولة، فإن سؤال المرحلة الراهنة يتعلق بقدرتها على أن تصبح دولة أكثر عدلا وفاعلية، تحتفظ بوحدتها من خلال إنصاف مواطنيها، وباستقلال قرارها من خلال بناء قدراتها. وتكمن قيمة العودة إلى سؤال "أطار" في أن تتيح للموريتانيين مناقشة هذه الاختيارات علنا، وأن تجعل تصور الدولة المقبلة موضوعا للمنافسة السياسية والمحاسبة، بدلا من أن يبقى وعدا عاما يتفق عليه الجميع من دون أن تتضح طرق تحقيقه.

رئيس حزب موريتانيا القوية عبد الرحمن حمودي 

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.