كل عودة لرئيس الجمهورية من عطلته السنوية يمكن أن تكون، إلى جانب كونها عودة إلى ممارسة مسؤولياته، مناسبة للتأمل في حال الدولة ومسارها وآفاقها؛ فالعطلة تمنح صاحب القرار مسافة عن صخب التفاصيل اليومية، وتتيح النظر إلى المشهد من زاوية أوسع.
ولعل من أهم ما يستحق التأمل اليوم ذلك العجز المتراكم في المجال السياسي عن إنتاج أحزاب ذات مشاريع وطنية واضحة، تجيب عن أسئلة الدولة والمجتمع، وتتنافس على أساس البرامج والقيم، لا على الأشخاص والتوازنات.
وحين يعجز المجال السياسي عن إنتاج البدائل، تتحمل مؤسسات أخرى أعباءه. وقد حملت المؤسسة العسكرية، منذ 1978، عبئًا تاريخيًا في حماية الدولة ووحدتها واستقرارها. غير أن استمرار هذا الوضع ليس حلًا دائمًا؛ فاستقرار الدولة ينبغي أن يقوم على رسوخ المؤسسات، وعدالة القانون، وثقة المواطن، وحيوية السياسة المدنية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مكاتب ومراكز للدراسات الاستشرافية والاستراتيجية، داخل المؤسسات المدنية والعسكرية، تبحث في أسباب هذا الخلل ومآلاته، وتقترح سبل الانتقال من استقرار يعتمد على قوة مؤسسات بعينها إلى استقرار تحميه مؤسسات متوازنة.
فالخطر ليس في التغيير، وإنما في تأخر التفكير فيه حتى تفرضه الأزمات؛ فالتغيير المخطط إصلاح، أما التغيير الذي تفرضه الأزمات فقد يصبح مخاطرة.
ولذلك، ربما كانت عودة الرئيس من عطلته السنوية فرصة مناسبة لأن تسأل الدولة نفسها: هل نكتفي بإدارة الواقع، أم نبدأ في صناعة المستقبل؟
الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي
من إدارة الواقع إلى صناعة المستقبل/ محمد الصحه ديدي








