أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية ورقة جديدة بعنوان "أزمة الطاقة في موريتانيا: حين تصبح البنية التحتية قيدا على أمن الطاقة"، تتناول الأزمة التي شهدتها البلاد خلال 2026، من اضطرابات إمدادات المحروقات وارتفاع أسعارها إلى حادث الخزانات الجديدة وحرائق محطات التحويل الكهربائي في نواكشوط، ضمن قراءة أوسع لطبيعة التحول الذي يشهده قطاع الطاقة الموريتاني والتحديات التي تواجهه.
وتنطلق الورقة من مفارقة أساسية تتمثل في أن أزمة الطاقة الحالية تقع في وقت تحولت فيه موريتانيا إلى بلد منتج للغاز، وتتوسع فيه قدراتها في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتنفذ مشروعات مهمة في التوليد والتخزين والنقل والربط الكهربائي. وترى الورقة أن هذه المفارقة تستدعي تجاوز تفسير الأزمة باعتبارها مجرد نقص ظرفي في المحروقات أو أعطال متفرقة في الكهرباء، والنظر بدلا من ذلك إلى قدرة منظومة الطاقة بكاملها على تحويل الموارد المتاحة إلى خدمة مستقرة تصل إلى المستهلك والاقتصاد.
وتشير الورقة إلى أن موريتانيا ما تزال، رغم دخولها مرحلة إنتاج الغاز، تعتمد بصورة كاملة تقريبا على الاستيراد في توفير المنتجات النفطية المكررة التي يستخدمها الاقتصاد يوميا، والتي تقدر الشركة الموريتانية لصناعات التكرير حجمها بنحو 1.2 مليون طن متري سنويا. وتعتبر أن هذه الوضعية تكشف فرقا مهما بين امتلاك موارد الطاقة وبين امتلاك سلسلة متكاملة تسمح باستخدام تلك الموارد داخليا، إذ يحتاج الغاز المنتج إلى منشآت وشبكات ومحطات قبل أن يتحول إلى بديل فعلي عن جزء معتبر من الطاقة المستوردة.
وترى الورقة أن أحد أهم التحديات التي تواجه موريتانيا خلال المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من التركيز على حجم الموارد والقدرات المركبة إلى التركيز على القدرة الفعلية المتاحة والمضمونة، فوجود محطة توليد أو خزان أو مصدر جديد للطاقة لا يعني تلقائيا زيادة مماثلة في الطاقة التي يستطيع المواطن أو الاقتصاد الاعتماد عليها، ما لم تكن شبكات النقل والتحويل والتوزيع والتخزين قادرة على استيعاب هذه القدرات وإيصالها بكفاءة.
وفي هذا السياق، تتوقف الورقة عند وضع البنية التحتية للمحروقات في نواكشوط، مستندة إلى ملاحظات سابقة لمحكمة الحسابات أظهرت أن القدرة التخزينية القائمة لم تعد ملائمة لحجم الطلب الذي وصلت إليه العاصمة والمناطق التي تعتمد عليها في التموين، وأن أجزاء من بنية نقل المحروقات تعود إلى مرحلة كان فيها حجم الاستهلاك أقل كثيرا من مستواه الحالي.
وتشير في المقابل إلى أن الدولة بدأت خلال السنوات الأخيرة معالجة هذه الاختناقات من خلال مشاريع لزيادة السعة التخزينية وإعادة تأهيل بعض خطوط التفريغ، إضافة إلى مشروع جديد لإنشاء مستودعات بسعة كبيرة قرب ميناء نواكشوط. وترى الورقة أن أهمية هذه الاستثمارات لا تتعلق فقط بزيادة كمية الوقود الممكن تخزينها، وإنما أيضا بتقوية سلسلة التزويد وتقليص الاعتماد على مسارات لوجستية أكثر تعقيدا.
وتتناول الورقة حادث تضرر خزانين ضمن المشروع الجديد قبل اكتمالهما، مؤكدة أن المعطيات المتاحة لا تسمح بإصدار حكم نهائي بشأن جودة التصميم أو التنفيذ، وأن أي تقييم فني ينبغي أن ينتظر نتائج التحقيقات والخبرات المختصة. لكنها تعتبر أن الواقعة تطرح بصورة مشروعة مسألة إدارة المخاطر خلال مراحل بناء المنشآت الاستراتيجية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشروع يفترض أن يعالج إحدى نقاط الضعف القائمة في أمن إمدادات المحروقات.
وتشدد الورقة في هذا المجال على أن أمن المحروقات لا يمكن اختزاله في كمية المخزون الموجودة داخل البلاد. وتقترح التمييز بين أربعة مستويات مترابطة هي القدرة على الحصول على المنتج من السوق، والقدرة على تخزينه، واستمرار تدفقه داخل المنظومة اللوجستية، ثم وصوله إلى المستهلك. ويمكن، وفق الورقة، أن يكون المخزون الوطني في مستوى مقبول بينما تظهر أزمة في السوق بسبب اختناق في إحدى الحلقات التي تفصل المخزون عن نقطة الاستهلاك.
وتجد الورقة أن أزمة الكهرباء الأخيرة كشفت المشكلة نفسها من زاوية مختلفة، فقد أدى حريقا محطتي التحويل في نواكشوط خلال يومين متتاليين إلى انقطاعات واسعة امتدت إلى مناطق ومرافق مهمة، وهو ما أظهر حجم الأثر الذي يمكن أن يترتب على خروج عدد محدود من مكونات الشبكة من الخدمة.
وتؤكد الورقة أن أسباب الحريقين ما تزال موضوع تحقيق، وأنه لا ينبغي القفز إلى استنتاجات غير مثبتة تتعلق بالصيانة أو جودة المعدات أو المسؤوليات. غير أنها ترى أن الحادثتين تطرحان سؤالا أساسيا حول عدد نقاط الفشل الحرجة داخل المنظومة الكهربائية، أي تلك المحطات أو الخطوط أو المكونات التي يستطيع تعطلها إحداث أثر واسع بسبب محدودية البدائل المتاحة عنها أو موقعها المركزي داخل الشبكة.
وتلفت الورقة إلى أن توسيع قدرة التوليد الكهربائي لا يكفي إذا لم يتزامن مع تطوير شبكة النقل ومحطات التحويل والتوزيع. وتعتبر أن انتقال موريتانيا إلى مستويات أعلى من إنتاج الغاز والطاقة الشمسية وطاقة الرياح سيزيد أهمية هذه الحلقة، لأن المصادر الجديدة تحتاج إلى شبكة أكثر قوة ومرونة، وإلى قدرات تخزين وتحكم أكبر حتى يمكن الاستفادة الكاملة منها.
وتقدم الورقة مفهوم "هشاشة الانتقال" لفهم المرحلة التي يعيشها قطاع الطاقة الموريتاني. ويشير المفهوم إلى وضع تصبح فيه حدود البنية القديمة أكثر وضوحا، في وقت لم تكتمل فيه بعد جميع مكونات المنظومة الجديدة التي يفترض أن تحل محلها أو تخفف الضغط عنها.
وتربط الورقة هذه الهشاشة بسرعة نمو الطلب، وخصوصا في نواكشوط، حيث يفرض التوسع العمراني المتسارع ضغوطا متزايدة على شبكات التوزيع ومحطات التحويل. وترى أن التخطيط الحضري أصبح جزءا من أمن الطاقة، لأن توسع المدينة أفقيا يعني أطوالا أكبر للشبكات، وعددا أكبر من المحولات والتوصيلات، وكلفة أعلى للتشغيل والصيانة.
كما تشير إلى أن موريتانيا تواجه تحديين مختلفين في آن واحد، ففي المراكز الحضرية الكبرى يتعلق التحدي بدرجة أكبر بجودة الكهرباء واستمراريتها، بينما ما تزال مناطق واسعة من الداخل تحتاج إلى توسيع النفاذ إلى الخدمة من أساسها. وتعتبر أن تحقيق الوصول الشامل إلى الكهرباء بالتوازي مع تعزيز موثوقية الشبكات القائمة يفرض ضغطا كبيرا على التمويل والمعدات والقدرات التنفيذية.
وتذهب الورقة إلى أن هذه التحديات ستصبح أكثر أهمية مع نمو الطلب الصناعي خلال السنوات المقبلة. فالتعدين والصناعات التحويلية والغاز والهيدروجين ومشروعات الحديد الأخضر يمكن أن ترفع حاجات البلاد من الطاقة بصورة كبيرة. وإذا سبق نمو الطلب الصناعي جاهزية البنية التحتية، يمكن للطاقة نفسها أن تتحول إلى قيد على الاستثمار والتنمية.
ومن هنا تعتبر الورقة أن أحد التحديات الأساسية يتمثل في مواءمة توقيت المشروعات، بحيث تدخل محطات التوليد وخطوط النقل والتخزين والمنشآت الغازية وشبكات التوزيع ضمن مسار متكامل، بدلا من تقدم كل مكون منها بصورة منفصلة عن احتياجات بقية المنظومة.
ولا تحصر الورقة المشكلة في المنشآت المادية، إذ تخصص جزءا مهما للحديث عن الصيانة والحوكمة والقدرات البشرية والمالية. وترى أن تراكم المشروعات الجديدة ينقل الدولة تدريجيا من مرحلة كانت الأولوية فيها بناء المزيد من المنشآت إلى مرحلة تصبح فيها إدارة الأصول والمحافظة على جاهزيتها تحديا موازيا لتمويل مشاريع جديدة.
وتدعو الورقة إلى ترسيخ مفهوم إدارة دورة حياة الأصول، بحيث تكون لدى المؤسسات المعنية صورة محدثة عن العمر الفني لكل منشأة استراتيجية، وحالتها، وسجل صيانتها، والقطع الأكثر عرضة للفشل، والعمر المتبقي للمكونات، وزمن الحصول على البدائل وخطط الإحلال قبل الوصول إلى نهاية العمر التشغيلي.
كما تعتبر أن القدرات البشرية تمثل جزءا من البنية التحتية غير المرئية للقطاع، فإدارة البطاريات والشبكات المترابطة والغاز والطاقات المتجددة وأنظمة التحكم الحديثة تحتاج إلى خبرات تختلف عن تلك التي كانت مطلوبة في نظام كهربائي أصغر وأقل تعقيدا، وهو ما يجعل تكوين المهندسين والفنيين ونقل المعرفة إلى المؤسسات الوطنية مسألة ترتبط مباشرة بأمن الطاقة.
وفي الشق المالي، تلاحظ الورقة أن ضعف التحصيل وارتفاع الفواقد وكلفة الوقود تضغط على قدرة القطاع على تمويل الصيانة والاستثمار، فيما تفرض الوظيفة الاجتماعية للطاقة حماية قدرة المواطنين على تحمل الأسعار. وترى أن السياسة العامة مطالبة بموازنة ثلاثة أهداف متزامنة هي استمرار التوفر وإمكان تحمل التكلفة والمحافظة على قدرة المؤسسات على تمويل الصيانة والتوسع.
وتخلص الورقة إلى ضرورة الانتقال من مفهوم تقليدي لأمن الطاقة يركز أساسا على توفر الإمدادات إلى مفهوم أوسع يقوم على مرونة المنظومة. ويقصد بذلك قدرة قطاع الطاقة على امتصاص الأعطال وحصر آثارها والمحافظة على الخدمات الحيوية، ثم استعادة الوضع الطبيعي خلال أقصر مدة ممكنة.
وتقترح في هذا الإطار إعداد خريطة وطنية للأصول الطاقوية الحرجة تشمل محطات الكهرباء وخطوطها ومنشآت المحروقات والغاز، وتحدد المنشآت التي يمكن أن يؤدي تعطلها إلى أثر واسع، مع تقييم مدى وجود بدائل عنها والوقت المطلوب لاستعادة الخدمة.
كما تدعو إلى بناء احتياطي لا يقتصر على الوقود، وإنما يشمل أيضا المعدات ذات الأهمية الاستراتيجية التي يستغرق الحصول عليها من الخارج وقتا طويلا، مثل بعض المحولات والقواطع والمضخات والتجهيزات المرتبطة بخطوط التفريغ والنقل.
وتقترح الورقة كذلك تطوير طريقة قياس أمن المحروقات، بحيث لا يقتصر المؤشر على حجم المخزون داخل المستودعات، وإنما يشمل عدد الأيام التي يستطيع فيها النظام الاستمرار في حال توقف الواردات، وحجم المخزون القابل فعليا للضخ والتوزيع، والطاقة اليومية لمنظومة التفريغ والنقل.
ومن أبرز الأفكار التي تقدمها الورقة اعتماد اختبار ضغط طاقوي دوري يحاكي سيناريوهات مركبة، مثل تأخر شحنة محروقات بالتزامن مع خروج محطة تحويل من الخدمة وارتفاع الطلب، ثم يقيس قدرة الكهرباء والمياه والمستشفيات والاتصالات والموانئ وبقية المنشآت الحيوية على الاستمرار والاستعادة.
وتقترح كذلك تطوير مؤشرات أداء القطاع بحيث تشمل، إلى جانب عدد المحطات والخزانات وأطوال الخطوط، القدرة الكهربائية المتاحة وقت الذروة، ومدة الانقطاعات، وزمن استعادة الخدمة، ونسبة الأصول الحرجة التي تملك بديلا، ومستوى الصيانة الوقائية، وزمن استبدال المعدات الرئيسية، وأيام المخزون القابل للتوزيع.
وترى الورقة أن أهمية هذه المؤشرات تكمن في أنها تغير تعريف الإنجاز نفسه، فحين يتم اختبار الأداء بعدد المشروعات التي أنجزت، يتجه الاهتمام أساسا إلى البناء، أما حين تدخل الموثوقية والجاهزية والصيانة في صلب التقييم، فإن المحافظة على الخدمة تصبح جزءا من الإنجاز بنفس أهمية إنشاء الأصل.
وتخلص ورقة مركز أودغست إلى أن أزمة 2026 لا تعني غياب تحول حقيقي في قطاع الطاقة الموريتاني، لكونها تقع في قلب هذا التحول. فالبلاد تنفذ استثمارات واسعة، وتوسع التخزين والشبكات وتدخل الغاز في التوليد وتعمل على رفع حصة المتجددة والوصول إلى مناطق جديدة. غير أن سرعة تطور الموارد والطلب والمشروعات لا تتطابق دائما مع سرعة تحديث البنية التي يفترض أن تحمل هذا التحول.
ومن هنا ترى الورقة أن التحدي الطاقوي الموريتاني خلال السنوات المقبلة لن يتعلق فقط بإضافة المزيد من الميغاوات أو الخزانات، وإنما ببناء التوازن بين حجم الموارد وقوة المنظومة التي تحولها إلى خدمة.
فالقيمة الاستراتيجية للغاز ستتحدد بمقدار ما يستطيع الاقتصاد الوطني استخدامه، وقيمة الطاقة المتجددة بقدرة الشبكة والتخزين على استيعابها، وقيمة الخزانات الجديدة بقدرة منظومة الإمداد على الاستفادة منها، وقيمة محطات التوليد بمدى قدرة النقل والتحويل والتوزيع على إيصال إنتاجها بصورة مستقرة.
وتعتبر الورقة أن الطاقة أصبحت، بهذا المعنى، اختبارا مباشرا لقدرة الدولة على إدارة منظومات مترابطة ومعقدة. فالمواطن لا يختبر أمن الطاقة من خلال حجم الاحتياطيات أو عدد الميغاوات المعلنة، وإنما عندما يجد الوقود متاحا، والكهرباء مستقرة، والماء والخدمات الأساسية مستمرة حين تتعرض المنظومة للضغط.
وتنتهي الورقة إلى أن التحول الطاقوي الموريتاني سيبلغ معناه الكامل عندما تنتقل البلاد من امتلاك موارد ومشروعات للطاقة إلى امتلاك منظومة طاقة يمكن الاعتماد عليها؛ عندها تتحول وفرة الموارد إلى أمن فعلي، وتصبح البنية التحتية رافعة للتحول بدلا من أن تكون القيد الذي يحد من قيمته.
مركز أودغست يصدر ورقة حول أزمة الطاقة في موريتانيا








