نجحت ألغلبيات الرئاسية في موريتانيا، منذ عهد حزب الشعب )1961-1978م(، في تحويل برامج الرؤساء من مشاريع لبناء الدولة وتحقيق التنمية إلى أدوات للريع السياسي، معتمدة خطاًبا تقليدًيا يقوم على تمجيد الحاكم في المهرجانات، وترديد الشعارات والمفردات نفسها التي رافقت الحياة السياسية لعقود. يتكرر هذا السيناريو اليوم باألسلوب ذاته والقاموس السياسي نفسه. والمثير لالستغراب ليس فقط قدرة األغلبية على االلتفاف على برامج الرؤساء، بل قدرتها على إعادة إنتاج هذه الممارسة بأساليب بدائية، رغم تغير الظروف وتطور أدوات الحكم واإلدارة. أدرك الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، مبكًرا، االختالل العميق في توزيع الثروة والفرص التنموية بين الجهات، فتبنى مشروع »التآزر«، ثم أطلق برنامج تنمية الجهات، سعًيا إلى توجيه االستثمار العمومي نحو المناطق األقل استفادة وتقليص الفوارق المجالية. أما الوزير األول الحالي، فسارع إلى اإلعالن عن قائمة من المشاريع المقرر تنفيذها خالل عامي 2025 و2026 ،شملت مؤسسات تعليمية ا ومنشآت ومشاريع تنموية، وفق احتياجات الواليات وأولوياتها. كان التنظير طموًحا وجذاًبا، لكن التنفيذ ظل دون مستوى التوقعات، ومع وطر ًق اقتراب اآلجال المعلنة من نهايتها، لم تظهر على األرض نتائج تتناسب مع حجم الوعود. ا: هل تكمن المشكلة في الموارد، أم في آليات التنفيذ، أم في قدرة البيروقراطية يكشف هذا التباين بين الخطاب والتنفيذ سؤااًل أكثر عم ًق طموحات الرئيس التي أعاقتها أغلبيته.. | أقالم 18/8/2026 18:1 م https://aqlame.com/node/43640 3/5 واألغلبية السياسية على إعادة توجيه المشاريع بعيًدا عن أهدافها األصلية؟ خالل مهرجان اإلنصاف األخير بوالية إنشيري، عّبر نائب عن مدينة أكجوجت، بلهجة ال تخلو من المرارة، عن الخلل في توزيع الثروة بين الواليات، محذًرا مما وصفه باالستغالل السلبي النفتاح الرئيس وطموحاته اإلصالحية. تتجه األغلبية، في المقابل، إلى مقاربتين متالزمتين: تحويل الموارد المرتبطة بالمشاريع العامة إلى مجال للنفوذ والمصالح الخاصة، وإطالق حملة دعائية لتضخيم اإلنجازات، وربما تقديم مشاريع لم تتحقق بعد باعتبارها إنجازات قائمة، بالتزامن مع المطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس. تكمن الخطورة السياسية في أن تتحول األغلبية من أداة لتنفيذ برنامج الرئيس إلى وسيط يسوق إلنجازات وهمية وفق مصالحه، فتعرقل التنمية من جهة، وتضعف عالقة الرئيس بالمجتمع من جهة أخرى، ثم تجعل نتائج التعثر تبدو وكأنها انعكاس مباشر لخياراته.
األخطر أن تتحول هذه الممارسة إلى آلية لنقل المسؤولية بدل توزيعها. فكلما تراكمت االختالالت والملفات، أصبح من السهل تحميل الرئيس مسؤولية قرارات اتخذتها أو نفذتها حلقات أخرى في منظومة الحكم. ضمن معجمها المبتكر لتعويم المصطلحات استطاعت األغلبية أن تحول عبارة »األوامر العليا« إلى كلمة السر للخروج من المسؤولية: حيث يكفي إسناد القرار إلى الرئيس حتى يصبح المنفذ مجرد موظف أطاع التعليمات، بينما يتحمل رأس الدولة وحده الكلفة السياسية. يتطلب تجاوز هذا المأزق ضبط سلسلة القرار والتنفيذ، وربط المسؤولية بصاحب القرار الفعلي، حتى ال تتحول برامج الدولة إلى أدوات للنفوذ السياسي، وال تتحول أخطاء التنفيذ إلى عبء سياسي دائم على رأس الدولة. يبقى الرئيس، في النهاية، أمام مفارقة صعبة، فهو يتبنى مشروعًا طموحًا يقوم على إعادة توزيع فرص التنمية، وتكافؤ الفرص بين المواطنين، بينما تعمل بعض حلقات األغلبية على إعادة توزيع النفوذ بدل الثروة، وتوزيع الشعارات بدل المشاريع، ثم تحمله الرئيس في النهاية كلفة التعثر تحت عناوين مختلفة. عندما تصبح األغلبية أقوى في حماية صورتها من قدرتها على تنفيذ مشروع الرئيس، فإنها تتحول من رافعة للحكم إلى عائق فعلي أمام طموحات غزواني وبرامجه االنتخابية. د. أمم ولد عبد ه








