تستعد مدينة كيفه اليوم لاستقبال السيدة الأولى في زيارة يُراد لها أن تكون أيضا فرصة للحشد بمناسبة إطلاق الموسم السياحي، وسط أجواء احتفالية رسمية توحي بأن المدينة مقبلة على مرحلة جديدة من الازدهار وأن فرحتها تترجم الرضا وتعكس سعادة الناس بما تحقق. غير أن المشهد الذي سيواجهه الزائر، إذا ما خرج قليلاً من دائرة الاستقبالات والبروتوكول، هو مختلف تماماً عن الصورة التي يجري إعدادها منذ عدة أيام.
فأي موسم سياحي هذا الذي يُطلق في مدينة لا تتوفر فيها بنية فندقية قادرة على استقبال الضيوف والسياح ؟ وأي رهان على السياحة في مدينة تكافح يومياً مع الأوساخ، والتردي المخجل لخدمات الماء والكهرباء، وطرق تآكلت أجزاء منها واختفت أخرى تحت الرمال، بينما تحولت الحفر والتقعرات إلى جزء ثابت من المشهد الحضري؟
إن السياحة ليست لافتة تُرفع ولا مهرجاناً يُنظم، ولا خطاباً يُلقى أمام حشد من المسؤولين والمنتخبين. السياحة صناعة متكاملة تبدأ بالطريق وتنتهي بالفندق، مروراً بالنظافة والماء والكهرباء والأمن والأسواق والخدمات. وعندما تغيب هذه العناصر يصبح الحديث عن موسم سياحي أقرب إلى محاولة تسويق صورة لا تجد أبسط دليل على الأرض. لقد كان أجدر بهم أن يأتوا للتضامن مع هذه المدينة المنكوبة!
والأكثر إثارة للقلق أن المدينة لا تعاني فقط من ضعف البنية السياحية، بل تواجه أزمة خدماتية ومعيشية متراكمة وتعيش اليوم مجاعة صامتة.
وفي الأسواق يدفع المواطن فاتورة ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وضعف التنظيم والرقابة، في وقت تتزايد فيه مظاهر التسيب وكأن السوق يعيش بمنطق خاص بعيداً عن سلطة الإدارة ورقابتها.
لكن الأزمة الأشد خطورة تقع خارج مدينة كيفه حيث يراقب السكان المعتمدين في جلهم على المواشي السماء بقلق بالغ. فتأخر الأمطار ليس خبراً عابراً بالنسبة لهم . إنه تهديد مباشر لمصدر رزقهم وأمنهم الاقتصادي. ومع تراجع المراعي وشح المياه تصبح كل سحابة عابرة سبباً إضافياً للخوف من موسم قاسٍ قد تكون كلفته باهظة على السكان ومواشيهم.
وفي ظل هذه الظروف تبدو خيبة الأمل واضحة لدى قطاعات عريضة من السكان؛ الذين كانوا ينتظرون من الحكم معالجة ملموسة لمشاكلهم اليومية، لا مجرد مناسبات احتفالية تتكرر فيها الوعود بينما تبقى الاختلالات في مكانها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن "الزيارة الرئاسية" نفسها قد تتحول إلى اختبار حقيقي للفارق بين الصورة التي تقدمها التقارير الرسمية والصورة التي يعيشها المواطن. فالمسؤول يستطيع أن يرى مدينة مزينة في يوم الزيارة، لكن المواطن يعيش المدينة بكل تفاصيلها طوال العام.
السؤال هو : كيف سنحتفل بالموسم السياحي؟ بل ماذا أعددنا فعلاً للسائح عندما يصل؟
أين الفنادق؟ أين النظافة؟ أين الطرق؟ أين الماء والكهرباء؟ أين الأسواق المنظمة؟ وأين الخدمات التي تجعل السائح يرغب في العودة مرة أخرى؟
إن إطلاق موسم سياحي دون معالجة هذه الأسئلة لا يعدو أن يكون إطلاقاً لمشروع قبل توفير شروط نجاحه.
وإذا كانت "الزيارة الرئاسية" فرصة لتجميل المشهد، فإن الأجدى أن تكون فرصة لكشفه أيضاً. فالمدينة لا تحتاج إلى طبقة مؤقتة من التجميل قبل وصول الضيوف ، بل تحتاج إلىبناء طرق ، وتحسين دائم للماء والكهرباء وحملة نظافة مستمرة، وتنظيم للأسواق، واستثمار جاد في البنية السياحية، وإجراءات عاجلة لحماية الثروة الحيوانية في ظل تأخر الأمطار.
أما الاستمرار في إدارة الأزمات بمنطق المناسبات، فسيجعل كل موسم سياحي مناسبة جديدة لاكتشاف أن المدينة ما زالت تنتظر موسمها الحقيقي.
فالسكان لا يريدون مدينة تصفق لزيارة رسمية ، وإنما يريدون مدينة صالحة للحياة في كل أيام السنة. وهذه في النهاية هي التنمية التي ينتظرونها وهي أيضاً المعيار الحقيقي لأي نظام حكم يريد أن يقاس بما أنجزه.
الأفظع من هذا أن تجد أبناء المدينة من رجال أعمال ومنتخبين وأطر يتصببون من انواكشوط لمثل هذه المناسبات وهم الذين يغبيون طيلة العام دون إبداء أي اهتمام بما يقاسيه أهلهم من مرارة العيش وبؤس وفقدان الأمل والخوف من المستقبل.
هذه مناسبات تعطل التنمية وتحجب الحقيقة وترسخ حكم الفرد وتحيي ثقافة التملق والنفاق وتدجن الشعب وتضرب ما تبقى من قيم الجمهورية في الصميم.
وكالة كيفه للأنباء








