في هذا العهد، لم يعد التزوير مجرد ظاهرة محدودة أو حالات فردية، بل انتشر حتى أصبح وكأنه جزء من تفاصيل الحياة اليومية، وشمل كل شيء تقريا: الأدوية، والغذاء، والملابس، والأفرشة، والأواني.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد إلى المحروقات، وزيوت السيارات، وقطع الغيار، وحتى بعض التجهيزات والمعدات الطبية، من أجهزة الأسكانير إلى معدات تصفية الكلى وغيرها ، وكأن شيئا لم يعد بمنأى عن الغش والتزييف.
والأخطر من تزوير السلع هو أن التزوير امتد إلى الضمائر ؛ فأصبحنا نرى من يقول بلسانه ما ليس في قلبه، ويمدح ما لا يؤمن به، ويصفق لما يعرف أنه خطأ، ويتحدث عن الإصلاح وهو يمارس عكسه. وهنا يصبح التزوير أخطر من تزوير الأشياء، لأنه يطال الإنسان نفسه وقيم المجتمع.
نحن أمام بلد غريب، حيث تتراجع المسؤولية، وتضعف الوطنية، ويتسع هامش الفساد ، بينما يغيب الحساب .
أنظمة تنهب وتفسد ، وكأنها لا تتصرف باعتبارها مسؤولة عن مستقبل وطن، وإنما كأنها تريد الرحيل عنه بعد أن تستنزف ما تستطيع.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب بلدا ليس فقط فساد المال أو تزوير السلع، وإنما أن يصبح الفساد عاديا، والتزوير مقبولا ، والنفاق وسيلة للنجاة، والصمت عن الخطأ فضيلة.
وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، فإن المعركة الحقيقية لا تكون فقط ضد التزوير في الأسواق، بل ضد تزوير الضمير والقيم والمسؤولية الوطنية.
بلد التزوير وعهد الغش / سيدي محمد ولد الهادي






