أخطر صور الفساد ليست تلك التي يمارسها أفراد، وإنما التي تتحول فيها الوظيفة العامة إلى تكتل مغلق يحمي نفسه بنفسه. فعندئذٍ لا يعود الفساد سلوكًا فرديًا، بل يصبح منظومة تقوم على تبادل المصالح، والتستر، وتعطيل المساءلة، وإقصاء المبلغين، وصناعة رواية تُضلل المجتمع.
وعند هذه المرحلة تقترب بعض التكتلات الوظيفية الفاسدة من العصابات المنظمة في بنيتها ووظيفتها؛ فهي تشترك معها في وحدة المصالح، والولاء الداخلي، والحماية المتبادلة. غير أن الفارق الجوهري هو أن العصابة المنظمة تنشأ خارج الشرعية القانونية، بينما يتخفى التكتل الوظيفي الفاسد خلف شرعية المؤسسة، فيستغل سلطتها وصلاحياتها لحماية الفساد بدلًا من حماية المصلحة العامة.
ولهذا قد يكون خطره أشد؛ لأن العصابة تواجه الدولة، أما التكتل الوظيفي الفاسد فقد يحتمي بالدولة، فيستغل شرعيتها لتقويض دولة القانون من داخلها. وحين تبلغ المؤسسات هذه المرحلة، لا يعود الإصلاح مجرد محاسبة أفراد، بل يصبح إعادة بناء منظومة الحوكمة على أساس الشفافية، واستقلال الرقابة، وسيادة القانون على الجميع.
الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي
من صفحة الكاتب على الفيسبوك






