عودتي الى تناها.. لماذا تتأخر الأطراف؟/محمد الصحه

بعد مرور سنة على نشري مقالًا بعنوان: «يوم في تناهي الدولة الموريتانية على الحدود: حضور أمني وغياب تنموي»، لا يزال سؤال واحد يفرض نفسه كلما عدت إلى تلك المناطق الحدودية.

كيف يمكن لقرى تقع داخل دولة مستقرة، كاملة المؤسسات، ذات شرعية دستورية راسخة، أن تظل متأخرة في البنية التحتية والخدمات الأساسية، بينما تبدو قرى على الجانب الآخر من الحدود، في دولة تعيش اضطرابًا سياسيًا وأمنيًا، أكثر حضورًا من حيث الطرق وشبكات المياه والتنمية المحلية؟

أين يكمن الخلل: في طبيعة الشرعية أم في طريقة توجيه الدولة لأولوياتها؟

ومن مفارقات الشرعية الدستورية أنها قد تتحول مع الزمن إلى فضاء يستهلك جزءًا كبيرًا من طاقة النخب في قضايا المركز؛ من تقارير الإنجاز، والمظلومات الوهمية، والتكتلات الوظيفية الساعية إلى السيطرة على القرار، وصراع الأجنحة داخل دوائر النفوذ. فيتراجع الاهتمام التدريجي بقضايا الأطراف، رغم أنها هي الأكثر حاجة إلى الفعل التنموي المباشر.

في المقابل، نجد أن بعض الأنظمة التي تفتقد الشرعية الدستورية تضطر إلى البحث عن شرعية اجتماعية بديلة، تجعلها أكثر التصاقًا بالحاجات اليومية للناس، فتسعى إلى إثبات حضورها عبر الطرق، والمدارس، والمراكز الصحية، وشبكات المياه الصالحة للشرب، باعتبارها أدوات بقاء لا ترف إدارة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الشرعية قيمة سياسية مستقلة بذاتها، أم أنها تُقاس بقدرتها على إنتاج أثر ملموس في حياة المواطن؟

فالمواطن البسيط لا يعنيه كثيرًا شكل الشرعية بقدر ما يعنيه أثرها المباشر: طريق يختصر المسافة، مدرسة تحفظ مستقبل أبنائه، مركز صحي يخفف معاناته، وشبكة مياه صالحة للشرب تحفظ حياته اليومية.

وهكذا تبقى المفارقة قائمة: قد تستقر الدولة سياسيًا، لكنها تتفاوت تنمويًا؛ وقد تضطرب سياسيًا، لكنها تتحرك ميدانيًا. وبين هذا وذاك يبقى السؤال مفتوحًا: أين تذهب فعليًا ثمار الاستقرار؟

الاستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.