مركز أودغست يصدر مذكرة استراتيجية حول الحاجة إلى سياسة خليجية لموريتانيا

أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية مذكرة استراتيجية بعنوان: “نحو سياسة خليجية لموريتانيا: من علاقات الدعم إلى الشراكة الاستراتيجية”، تناولت ضرورة انتقال موريتانيا من إدارة علاقاتها مع دول الخليج بوصفها علاقات “أخوية ومتفرقة”، إلى بناء سياسة خليجية واضحة، تحدد ما تريده نواكشوط من كل عاصمة خليجية، وما تستطيع أن تعرضه عليها، وكيف يمكن تحويل العمق العربي والتمويل والدعم إلى شراكة استراتيجية منتجة.

تنطلق هذه المذكرة من فرضية مركزية مفادها أن المشكلة في العلاقة الموريتانية الخليجية لا تكمن في ضعف الروابط أو غياب القنوات، وإنما في أن هذا الرصيد لم يتحول بعد إلى سياسة مكتملة. فقد ظلت دول الخليج حاضرة في المجال الموريتاني عبر التمويلات التنموية والمشاريع والعلاقات الدبلوماسية والروابط العربية والإسلامية، غير أن هذا الحضور لم ينتظم دائمًا داخل رؤية وطنية تحول التمويل إلى طاقة إنتاجية، وتربط الاستثمار بنقل المعرفة وبناء القدرات، وتقيس قيمة المشاريع بقدرتها على إحداث أثر ملموس في الاقتصاد والمجتمع.

وتؤكد المذكرة أن أهمية الموضوع تزداد في ظل التحول الذي يشهده موقع موريتانيا، بوصفها دولة تماس مع اضطرابات الساحل، وواجهة أطلسية مفتوحة على رهانات الطاقة والتجارة والهجرة، وبلدًا عربيًا إفريقيًا يحافظ على قدر من الاستقرار في محيط إقليمي مضطرب. كما تشير إلى أن دخول موريتانيا دائرة تصدير الغاز، وتزايد الاهتمام بالهيدروجين الأخضر والمعادن والطاقة المتجددة، يفرضان على صناع القرار فيها إعادة التفكير في موقعها ضمن الحسابات الخليجية الجديدة.

وتوضح المذكرة أن دول الخليج لم تعد تتحرك في إفريقيا بمنطق الدعم والمجاملة والتمويل التنموي وحده، حيث أصبحت أكثر حضورًا في ملفات الاستثمار والموانئ والأمن الغذائي والطاقة واللوجستيات والمعادن، وبناء النفوذ الهادئ في المجالات الحيوية. ومن هنا ترى المذكرة أن موريتانيا يمكن أن تتحول إلى منصة هادئة للتموضع الخليجي في غرب إفريقيا، إذا ما أحسنت تقديم عرض وطني منظم يقوم على الموقع الأطلسي والاستقرار النسبي والقرب من الساحل والموارد الطاقوية والسمكية والمعدنية والرصيد الديني والثقافي.

وتدعو المذكرة إلى تجاوز التعامل مع التمويل والدعم الخارجيين بوصفهما موارد جاهزة يتم قبولها من دون إدماجها في رؤية وطنية تحدد الأولويات والشروط والنتائج المنتظرة، محذرة من أن كل علاقة خارجية لا تصممها الدولة وفق أولوياتها الوطنية قد تنتهي إلى خدمة أولويات الآخرين، حتى حين تأتي في صورة دعم أو تمويل أو استثمار. وترى أن معيار الجدوى لا ينبغي أن يقتصر على حجم التمويل، بل عليه أن يشمل أيضًا أثره في الإنتاج والتشغيل ونقل الخبرة وتعزيز المحتوى المحلي وتحقيق التوازن المجالي ورفع كفاءة المؤسسات.

وتقترح المذكرة مقاربة تراعي خصوصية كل عاصمة خليجية، تقوم على مخاطبة كل شريك من مدخل يناسب ميزته النسبية؛ فالسعودية يمكن أن تكون شريكًا في الأمن الغذائي والطاقة والتعليم والاستثمارات طويلة المدى، والإمارات في الموانئ واللوجستيات والطاقة المتجددة والتعدين، وقطر في التعليم والقوة الناعمة والاستثمار الذكي، والكويت في التمويل التنموي والبنية الأساسية، مع استكشاف مجالات أكثر انتقائية مع عمان والبحرين.

وتخلص المذكرة إلى أن بناء سياسة خليجية موريتانية يتطلب أدوات عملية واضحة، من بينها إعداد وثيقة توجيهية مختصرة، وبناء محفظة مشاريع ناضجة موجهة للخليج، وإنشاء آلية تنسيق داخل الدولة، وتنظيم منصة موريتانية خليجية دورية ذات طابع عملي، ووضع نظام متابعة وتقييم للمشاريع الخليجية والعربية الكبرى. وترى المذكرة أن الهدف ليس البحث عن ممول جديد، وإنما تحويل الرصيد العربي والخليجي القائم إلى شراكة مؤسسية منتجة، تجعل العلاقة مع دول الخليج إحدى روافع تموضع موريتانيا خلال العقد المقبل.

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.