أظهرت نتائج مسح الموازنة المفتوحة لسنة 2025 أن منظومة إدارة الميزانية العامة في موريتانيا ما تزال تواجه تحديات مهمة في إتاحة المعلومات المالية وإشراك الجمهور وتمكين المؤسسات الرقابية من ممارسة أدوارها بفاعلية. وحصلت موريتانيا على 42 نقطة من أصل 100 في شفافية الموازنة، وصفر في المشاركة العامة، و39 نقطة في الرقابة على الميزانية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تقدم تقييما دوليا مستقلا لمدى انفتاح دورة الميزانية الموريتانية، ابتداء من مرحلة الإعداد ومرورا بالمصادقة والتنفيذ وانتهاء بمراجعة الحسابات والتدقيق فيها. كما توفر نقطة مرجعية يمكن من خلالها قياس أثر الإصلاحات التي ستنجزها الدولة خلال السنوات المقبلة.
صدر المسح عن الشراكة الدولية للموازنات، وهي منظمة دولية مستقلة متخصصة في شفافية المالية العامة والمساءلة. ويعتمد المسح منهجية مقارنة موحدة، ولا يقوم على استطلاع للرأي أو قياس للانطباعات. فهو يفحص الوثائق التي تنشرها الحكومات، والممارسات التي تعتمدها المؤسسات التنفيذية والتشريعية والرقابية، وفق 218 سؤالا موحدا، تدخل 145 منها في احتساب النتائج. وقد اقتصرت دورة 2025 على الوثائق والممارسات القائمة حتى 31 ديسمبر 2024.
أولا: ماذا تقيس النتائج
يقيس المسح ثلاثة أبعاد مستقلة ومتكاملة؛ يتعلق البعد الأول بشفافية الميزانية، ويبحث في مدى نشر ثماني وثائق أساسية، وفي توقيت نشرها ومستوى شمولها وسهولة وصول الجمهور إليها. ويتناول البعد الثاني المشاركة العامة، من خلال فحص القنوات الرسمية التي تتيح للمواطنين والمجتمع المدني المساهمة في إعداد الميزانية ومناقشتها وتنفيذها ومراجعتها. أما البعد الثالث فيقيس الرقابة التي تمارسها السلطة التشريعية ومؤسسة التدقيق العليا على إعداد الميزانية وتنفيذها والحسابات الختامية.
ولا تقيس هذه الدرجات حجم الفساد أو كفاءة كل نفقة عمومية، كما أنها لا تقدم حكما شاملا على سلامة إدارة المال العام. وهي تقيس قدرة الجمهور والمؤسسات الرقابية على الوصول إلى المعلومات وفحص القرارات المالية والمشاركة في مناقشتها ومساءلة الجهات المسؤولة عنها.
ثانيا: شفافية الميزانية
حصلت موريتانيا على 42 نقطة من أصل 100 في مؤشر شفافية الميزانية. وتضع منهجية المسح عتبة 61 نقطة للدلالة على أن الدولة تنشر قدرا كافيا من المعلومات يسمح بفهم القرارات المالية وإجراء نقاش عام مستنير بشأنها. وبذلك تبقى النتيجة الموريتانية دون المستوى الذي يعده المسح كافيا، وإن جاءت أعلى من المتوسط الإقليمي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا البالغ 30 نقطة، وقريبة من المتوسط العالمي البالغ 45 نقطة.
وتعني درجة 42 أن موريتانيا تنشر جزءا من المعلومات والوثائق المرتبطة بالميزانية، غير أن مستوى الإتاحة والتفصيل والتوقيت لا يوفر صورة مكتملة عن كيفية جمع الموارد العمومية وتوزيعها وتنفيذها. كما تشير النتيجة إلى وجود حاجة إلى مزيد من الوضوح في عرض التوقعات المالية، والإنفاق الفعلي، والدين، والمخاطر المالية، والإيرادات، والاختلاف بين الاعتمادات المصادق عليها وما ينفذ منها.
وينبغي هنا تجنب استنتاج أن موريتانيا لا تنشر أي معلومات مالية. فالنتيجة تعبر عن مستوى متوسط ومحدود من الانفتاح، ولا تعبر عن غياب كامل للمعلومات. وقد أظهرت مصادر أخرى وجود نشر رسمي لبعض وثائق قانون المالية وتقارير العمليات المالية للدولة، غير أن مسح الموازنة المفتوحة يقيس مدى اكتمال هذه المنظومة واستمراريتها وقابليتها للاستخدام العام، وليس مجرد وجود وثيقة أو أكثر.
ثالثا: غياب المشاركة العامة المنظمة
حصلت موريتانيا على صفر من أصل 100 في مؤشر المشاركة العامة. وتعد هذه النتيجة أكثر النتائج وضوحا من حيث دلالتها، لأنها تفيد بأن المسح لم يرصد، وفق معاييره، آليات رسمية ومفتوحة تتيح للجمهور المساهمة بصورة ذات معنى في مختلف مراحل دورة الميزانية. وتظهر المقارنات الإقليمية أن موريتانيا جاءت ضمن الدول التي لم تسجل نقاطا في هذا المجال، إلى جانب عدد من دول المنطقة.
ولا يعني الحصول على صفر أن المواطنين أو النقابات أو الهيئات المهنية لا يعبرون عن آرائهم في السياسات الاقتصادية، وإنما يعني غياب قنوات مؤسسية واضحة ومنتظمة تربط هذه الآراء مباشرة بإعداد الميزانية أو المصادقة عليها أو تنفيذها أو تدقيقها.
وتكشف النتيجة عن فجوة بين الطابع الوطني للميزانية وضيق دائرة المشاركة في إعدادها. فالميزانية تحدد حجم الإنفاق على التعليم والصحة والمياه والزراعة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية، وتؤثر في توزيع الموارد بين المناطق والفئات. ومن ثم فإن غياب المشاركة المنظمة يحرم الدولة من معلومات ميدانية مهمة، ويحد من قدرة المواطنين على معرفة كيفية ترجمة أولوياتهم إلى اعتمادات وبرامج.
رابعا: محدودية الرقابة على الميزانية
سجلت موريتانيا 39 نقطة من أصل 100 في مؤشر الرقابة، وهو المؤشر الذي يقيس بصورة مشتركة دور الجمعية الوطنية ومحكمة الحسابات في فحص مشروع الميزانية ومتابعة تنفيذها ومراجعة الحسابات والنتائج المالية.
وتضع منهجية المسح الدرجات الواقعة بين صفر و40 ضمن مستوى الرقابة القليلة، بينما تعد الدرجات بين 41 و60 رقابة محدودة، وما فوق 61 رقابة كافية. وبذلك تقع النتيجة الموريتانية عند الحد الأعلى من مستوى الرقابة الضعيفة، كما تأتي دون المتوسط المسجل في إفريقيا جنوب الصحراء، والذي بلغ 44 نقطة في دورة 2025.
وتشير هذه النتيجة إلى وجود مؤسسات رقابية وصلاحيات قانونية، مع استمرار فجوة في قدرتها العملية على متابعة دورة الميزانية بكامل مراحلها. فالرقابة الفعلية تحتاج إلى آجال كافية لدراسة مشروع قانون المالية، ومعلومات تفصيلية، وخبرات فنية مساندة للبرلمان، وتقارير منتظمة عن التنفيذ، ونشر نتائج التدقيق، وآليات تضمن متابعة الملاحظات والتوصيات.
وينبغي عدم تفسير النتيجة بوصفها حكما على انعدام دور الجمعية الوطنية أو محكمة الحسابات. فهي تقيس مدى قوة الرقابة وفق مجموعة محددة من المؤشرات الدولية، وتظهر أن النظام القائم يحتاج إلى تطوير حتى تصبح الرقابة أكثر انتظاما ووضوحا وتأثيرا في القرارات المالية.
خامسا: الدلالة العامة للنتائج
تكشف النتائج الثلاث عن اختلال بين وجود إدارة مالية ومؤسسات قانونية من جهة، ومستوى انفتاحها على الرقابة والمشاركة العامة من جهة أخرى. فموريتانيا تنشر جزءا من المعلومات المتعلقة بالميزانية، لكنها لم تصل بعد إلى المستوى الذي يوفر معلومات كافية وشاملة وفي الوقت المناسب. كما أن الجمهور يظل خارج دورة الميزانية من الناحية المؤسسية، فيما تبقى الرقابة التشريعية والتدقيقية دون المستوى اللازم لبناء مساءلة قوية.
ويكتسب هذا التشخيص أهمية أكبر في مرحلة تتزايد فيها موارد الدولة والتزاماتها، وتتوسع فيها الاستثمارات العمومية، وتدخل البلاد طورا جديدا مع إنتاج الغاز وتنامي التمويلات الخارجية ومشاريع البنية التحتية. وكلما ارتفع حجم الموارد وتعقدت مصادرها، ازدادت الحاجة إلى معلومات أوضح، ورقابة أقوى، ومشاركة تسمح بربط الاختيارات المالية بالحاجات الفعلية للمجتمع.
كما أن ضعف الشفافية والمشاركة والرقابة لا يثبت وقوع فساد أو هدر بعينه، لكنه يحد من قدرة المؤسسات والجمهور على اكتشاف الأخطاء والانحرافات مبكرا، ويضعف إمكان تصحيحها ومساءلة المسؤولين عنها. ولهذا ينبغي التعامل مع نتائج المسح بوصفها مؤشرا على جودة بيئة المساءلة المالية، وليس بوصفها إدانة عامة لإدارة الميزانية.
سادسا: التوصيات الصادرة عن المسح
تدعو التوصيات حكومات المنطقة إلى نشر وثائق الميزانية الأساسية في الوقت المناسب، وتحسين مستوى المعلومات عن التنفيذ والدين والمخاطر المالية والإيرادات والإعفاءات الضريبية، وتقديم المعلومات في صيغ مبسطة وموجهة إلى المواطنين.
كما يدعو التقرير إلى إنشاء آليات رسمية ومستقرة للمشاركة العامة في جميع مراحل دورة الميزانية، وضمان عدم اقتصارها على مشاورات ظرفية، وتوسيعها لتشمل الفئات الأقل تمثيلا، مع توضيح كيفية تعامل المؤسسات مع المقترحات التي يقدمها الجمهور.
وفي مجال الرقابة، يشدد التقرير الإقليمي على أهمية تقوية متابعة توصيات التدقيق ونشر الإجراءات التي تتخذها الحكومات استجابة لملاحظات مؤسسات الرقابة. وقد أظهر التقرير أن عددا قليلا فقط من وزارات المالية في إفريقيا جنوب الصحراء ينشر معلومات عن الإجراءات المتخذة لمعالجة نتائج التدقيق، ولا تقدم أي منها إفصاحا شاملا في هذا المجال.
سابعا: توصيات مركز أودغست
استنادا إلى النتائج الرسمية، يقترح مركز أودغست للدراسات الإقليمية أن تتعامل الدولة مع المسح بوصفه فرصة لإطلاق برنامج وطني لتعزيز انفتاح الميزانية، تشترك فيه الحكومة والجمعية الوطنية ومحكمة الحسابات والمجتمع المدني والجامعات والهيئات المهنية.
ويبدأ هذا المسار بتوحيد نشر وثائق الميزانية داخل بوابة إلكترونية رسمية، تتضمن مشروع قانون المالية، والقانون المصادق عليه، والتقارير الدورية عن التنفيذ، والتقرير السنوي، وتقارير محكمة الحسابات، مع بيان تواريخ النشر وتوفير الوثائق في صيغ قابلة للبحث والاستخدام.
كما يحتاج الجمهور إلى نسخة مبسطة من الميزانية تشرح مصادر الإيرادات، وأوجه الإنفاق، والعجز، والدين، وأهم البرامج الاجتماعية والاستثمارية، وتوزيع الإنفاق بحسب القطاعات والمناطق. ويفضل أن تصدر هذه الوثيقة بالعربية وباللغات الوطنية، وأن ترفق ببيانات قابلة للتحميل والتحليل.
وفي مجال المشاركة، يقترح المركز تنظيم مشاورات عامة قبل الانتهاء من مشروع قانون المالية، وفتح جلسات لجنة المالية في الجمعية الوطنية أمام ممثلي الهيئات المهنية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني في حدود ضوابط معلنة، وإنشاء منصة لتلقي المقترحات، مع نشر تقرير يوضح الملاحظات الواردة وكيفية التعامل معها.
أما في مجال الرقابة البرلمانية، فتبرز الحاجة إلى توفير دعم فني دائم للجمعية الوطنية في تحليل مشروع الميزانية وتقارير التنفيذ، وتمكين اللجان من متابعة الإنفاق خلال السنة، ونشر تقاريرها وملاحظاتها، وعدم حصر الرقابة البرلمانية في مناقشة قانون المالية عند اعتماده.
وفيما يتعلق بمحكمة الحسابات، يقترح المركز ضمان انتظام نشر تقاريرها، وإنشاء سجل علني لمتابعة توصياتها يبين الجهة المعنية، وطبيعة الملاحظة، والإجراء التصحيحي، والأجل المحدد، ومستوى التنفيذ. ومن شأن هذا السجل أن يربط بين اكتشاف الاختلال وتصحيحه وأن يمنع بقاء التقارير الرقابية دون متابعة عملية.
خاتمة
تقدم نتائج مسح الموازنة المفتوحة 2025 لموريتانيا تشخيصا واضحا ومحددا. فالبلاد حققت درجة 42 في الشفافية، وهي نتيجة تعكس وجود معلومات مالية متاحة مع بقائها دون المستوى الكافي. كما سجلت صفرا في المشاركة العامة، بما يكشف غياب القنوات المؤسسية التي تسمح للمواطنين بالمساهمة في دورة الميزانية. وحصلت على 39 في الرقابة، وهو ما يعبر عن محدودية قدرة المؤسسات التشريعية والتدقيقية على متابعة الميزانية وفق المعايير التي يعتمدها المسح.
ولا ينبغي أن يتحول النقاش حول هذه النتائج إلى مواجهة بين الدفاع عن أداء الدولة والطعن فيه. فالمسح لا يصدر حكما سياسيا عاما، وإنما يقدم مؤشرات عملية قابلة للتحسين. وبعض التحسينات المطلوبة لا يحتاج إلى موارد مالية كبيرة، إذ يرتبط بالنشر في الوقت المناسب، وتنظيم المعلومات، وفتح قنوات المشاركة، وتقوية العمل البرلماني، ومتابعة توصيات محكمة الحسابات.
وتحتاج موريتانيا، في ضوء اتساع مواردها ومشاريعها والتزاماتها المالية، إلى ميزانية أكثر انفتاحا وقدرة على كسب ثقة المواطنين. فالشفافية تمنح الرأي العام فهما أفضل لاختيارات الدولة، والمشاركة تساعد على تقريب الإنفاق من الحاجات الفعلية، والرقابة تحمي الموارد من الأخطاء وسوء الاستخدام. ومن هنا ينبغي أن تمثل نتائج المسح نقطة انطلاق لإصلاح مؤسسي هادئ، يحول الميزانية من وثيقة فنية مغلقة إلى أداة واضحة للحكم والمساءلة وتحقيق الأثر العام.
مركز أودغست للدراسات الإقليمية






