تحتاج الدولة الموريتانية، في هذه اللحظة التي تعيد تشكيل الساحل والواجهة الأطلسية وغرب إفريقيا والمغرب العربي، إلى أن تستعيد تاريخها من القراءات التي حصرتها طويلا في الهامش، وأن تقرأ حاضرها خارج عقدة الدولة الصغيرة. فالمجال الذي تقوم عليه موريتانيا الحالية لم يكن فراغا صحراويا تعبره القوافل نحو مراكز غيره، وإنما كان أحد مختبرات التلاقي الكبرى بين الصحراء وبلاد السودان والمغرب والأطلسي. في هذا المجال تشكلت عواصم وازدهرت مدن وتحركت دعوات إصلاحية ومرت شبكات الذهب والملح والعلم والحج، وتراكبت ذاكرة سياسية وحضارية لا تستقيم قراءة تاريخ الساحل الغربي من دونها.
ولهذا تبدو عودة موريتانيا اليوم إلى مركز الخريطة الإقليمية عودة ذات مغزى مزدوج؛ فهي من جهة تصحيح لصورة تاريخية مختزلة تعاملت مع البلاد كما لو كانت ممرا عابرا أو "همزة وصل" بين مراكز الآخرين، وهي من جهة أخرى تعبير عن تحول جيوسياسي معاصر جعل من نواكشوط نقطة تقاطع بين الساحل المضطرب والأطلسي الصاعد والهجرة العابرة والطاقة الجديدة وحسابات الأمن الإقليمي. وبالطبع فإن الأمر هنا لا يتعلق بادعاء رمزي أو بنزعة وطنية متضخمة، وإنما بقراءة لموقع تتغير وظيفته كلما تغيرت أدوات القوة وحركة المجال.
ومن المفيد، ضمن هذا السياق وقبل قراءة الحاضر، أن نعيد ضبط الذاكرة التاريخية. فإمبراطورية غانا القديمة، التي تمثل إحدى أقدم الكيانات السياسية والتجارية الكبرى في غرب إفريقيا الوسيط، قامت في مجال يضم جنوب شرق موريتانيا الحالية وجزءا من الأراضي المالية. ويكتسب هذا المعطى وزنه الأكبر حين نستحضر أن عاصمة غانا القديمة، كومبي صالح، توجد داخل المجال الترابي الموريتاني الحالي، وأن هذه الإمبراطورية نفسها دخلت لاحقا في دائرة النفوذ المرابطي بعد صعود القوة الصنهاجية من المجال الصحراوي الغربي. ومن هذا المنطلق، فإن الدراسة التاريخية الجادة لا يمكن أن تسمح بنقل مركز الثقل كله إلى خارج موريتانيا، ولا بالتعامل مع البلاد كما لو أنها ظهرت فجأة على هامش تاريخ صنعه الآخرون.
وتمنح أودغست هذه الحقيقة التاريخية بعدا أكثر عمقا؛ فهي كانت أحد أقدم المراكز السياسية الصونونكية والصنهاجية في المنطقة، وعاصمة لكيان صحراوي مبكر سبق أن فرض حضوره في شبكة التجارة والسلطة قبل أن يدخل لاحقا في مدار غانا. ومن موقعها في قلب المجال الصحراوي الغربي، جمعت أودغست بين وظيفة السوق ووظيفة الحكم وبين عبور القوافل وتنظيم المصالح وبين تجارة الذهب القادمة من الجنوب والصلات الممتدة نحو الشمال. وهي بذلك تكشف أن المجال الموريتاني لم يكن هامشا تابعا لمراكز غيره، وإنما فضاء قادرا على إنتاج السلطة والثروة والوساطة في آن واحد.
وتكشف المدن القديمة في وادان وشنقيط وتيشيت وولاتة وغيرها أن المركزية الموريتانية لم تنشأ من التجارة وحدها، وإن استفادت منها القوافل لاحقا ووجدت فيها فضاءات آمنة ومستقرة. فقد قامت هذه الحواضر في قلب المجال الصحراوي بوصفها مراكز عمرانية وعلمية ودينية ذات وزن خاص، ثم رسخت حضورها عبر ما أنتجته من معرفة وما حفظته من ذاكرة وما راكمته من تقاليد علمية وتعليمية، إضافة إلى ما نسجته من صلات بشرية وثقافية واسعة مع شمال الصحراء وجنوبها. ومن ثم، سيكون من الخطأ اختزالها في محطات عبور عابرة، لأنها كانت جزءا من بنية حضارية أوسع، جعلت المجال الموريتاني فضاء تأسيس وإشعاع، وليست مجرد ممر بين مراكز الآخرين كما يحلو للبعض تكراره.
وتبلغ هذه المركزية التاريخية ذروتها السياسية مع الحركة المرابطية، حين تحول المجال الصحراوي الغربي - وفي قلبه المجال الموريتاني - إلى قاعدة تأسيس لقوة كبرى أعادت رسم العلاقة بين الصحراء وبلاد السودان والمغرب والأندلس. فقد تشكلت الحركة في بيئة صنهاجية كان ثقلها الحيوي ممتدا في مجالات لمتونة وجدالة ومسوفة، واستندت إلى عمق صحراوي يضم أدرار وآزوكي وأودغست ومجالات التماس مع حوض السنغال وبلاد السودان الغربي. ومن هذه الأرض بدأت الحركة بناء سلطتها، فأخضعت القبائل الصحراوية وثبتت النظام في المجال الممتد بين الواحات والمراعي والمراكز التجارية، ثم سيطرت على أودغست التي كانت حينها واحدة من أهم مراكز الذهب والملح في غرب الصحراء، لتتحول بعد ذلك إلى مركز إسناد وانطلاق في المشروع المرابطي.
ومن هذا العمق الموريتاني انفتح المشروع المرابطي على اتجاهين كبيرين: اتجاه جنوبي نحو بلاد السودان، حيث خضعت لسلطته قبائل ومجالات واسعة ودخلت غانة في دائرة النفوذ المرابطي بعد السيطرة على عاصمتها كومبي صالح كما سبقت الاشارة إلى ذلك؛ واتجاه شمالي نحو سجلماسة ودرعة والمغرب الأقصى، ثم نحو الأندلس، حيث تحول الفعل المرابطي إلى قوة حاسمة أعادت تثبيت التوازن العسكري والسياسي بعد معركة الزلاقة، ومنحت الوجود الإسلامي في الأندلس فرصة تاريخية جديدة.
أما مملكة التكرور، فتندرج طبيعيا ضمن هذه الخريطة بوصفها أحد الأسماء الكبرى التي ارتبطت بالمجال الموريتاني في الذاكرة التاريخية والجغرافية. فقد نشأت في حوض نهر السنغال، وامتد تأثيرها السياسي والاقتصادي والثقافي في الضفة الشمالية ومجالاتها المتصلة، حتى أصبح اسم بلاد التكرور في مراحل لاحقة دالا على فضاء واسع من الصحراء والسودان يشمل المجال الموريتاني، تتداخل فيه السلطة والتجارة والإسلام والعلم. ومن هنا فإن مملكة التكرور لا يجدر النظر إليها ككيان خارجي يضاف إلى تاريخ موريتانيا، وإنما كأحد أسمائه ومداخله القديمة وكدليل على أن المركزية الموريتانية نشأت أيضا من النهر، كما نشأت من الواحات والصحراء والمدن والقوافل والعلم والدولة.
من هنا يظهر الخطأ المنهجي في كل قراءة تحصر المركز في صورة واحدة، كالعاصمة الإمبراطورية أو الكتلة السكانية الكبرى أو القوة العسكرية المباشرة. ذلك أن المركز في تاريخ الصحراء والساحل لم يتخذ دائما هيئة قصر سلطان أو عاصمة جيش؛ فقد كان يتخذ أحيانا شكل سوق يتحكم في الذهب والملح، ومدينة علم تدرس العلوم وتحفظ المخطوطات، وواحة تصنع الاستقرار، ورباط يطلق دعوة إصلاحية، وضفة نهرية تفتح المجال الصحراوي على بلاد السودان وتمنحه عمقه الإفريقي. بهذا المعنى يمكننا القول بأن موريتانيا كانت في مراحل مختلفة من تاريخها مركزا شبكيا، أي فضاء تتقاطع فيه الطرق والسلع والأفكار والأصول الاجتماعية والسلطة والعلوم والرحلة والحج، وتتشكل داخله وظائف التأثير قبل أن تنتقل آثاره إلى محيطه الأوسع.
[04/06 12:10] Moussa: وتمنحنا هذه الفكرة المفتاح الأعمق لفهم الحاضر، فموريتانيا لا تعود اليوم إلى مركز الخريطة بوصفها تكرارا للماضي وإنما بوصفها استئنافا لوظيفة تاريخية بأدوات جديدة. في الماضي كان الذهب والملح والعلم والحج والقافلة والقوة العسكرية، يمنحون المجال الموريتاني معناه السياسي ويجعلون الصحراء فاعلا في توازنات بلاد السودان والمغرب والأندلس. واليوم تؤدي القوة العسكرية والطاقة والهجرة والبحر وظيفة مشابهة في سياق مختلف؛ إذ إن خطوط الغاز والممرات البحرية وضغط الهجرة وأزمات الساحل والشراكات الأمنية، تجعل من موريتانيا نقطة ارتكاز حاسمة في توازنات أوروبا وغرب إفريقيا والمغرب العربي والفضاء الأطلسي. وبذلك لا تبدو العودة الموريتانية إلى مركز الخريطة استدعاء لذاكرة منتهية، وإنما تحولا جديدا في وظيفة قديمة قوامها أن يكون هذا المجال قادرا على التأثير في توازنات العوالم المتجاورة والمتوترة من حوله.
في الخريطة القديمة، تشكلت موريتانيا بوصفها عقدة حيوية بين الصحراء وبلاد السودان والمغرب. وفي الخريطة الجديدة، تستعيد موقعها بوصفها نقطة ارتكاز بين الساحل والأطلسي وأوروبا وغرب إفريقيا. ولا يلغي هذا التحول الماضي ولا يكرره، وإنما يكشف استمرار الوظيفة العميقة للموقع في صيغ جديدة. فالدول التي تقع عند ملتقى الدوائر الاستراتيجية لا تحتاج دائما إلى كتلة سكانية ضخمة كي تمتلك وزنا مؤثرا؛ إذ قد تمنحها الجغرافيا - حين تحسن إدارتها - قدرة على ضبط التوازنات وتخفيف التوترات وإنتاج الاستقرار وتحويل الموقع من معطى طبيعي إلى أداة سياسية.
وتبرز هذه العودة اليوم من بوابة الساحل أولا، فقد تحولت مالي - وهي امتداد تاريخي واجتماعي واقتصادي قريب - إلى مصدر ضغط إقليمي مفتوح، بفعل تراجع سلطة الدولة في الأطراف وصعود الجماعات المسلحة وتبدل الشراكات العسكرية وتآكل الترتيبات التي كانت تحفظ قدرا من التوازن في الإقليم. وفي هذا السياق، وجدت موريتانيا نفسها في تماس مباشر مع واحدة من أكثر بؤر الساحل اضطرابا. وقد منحها هذا التماس أهمية مضاعفة، لأن استقرارها الداخلي وقدرتها على ضبط الحدود وحسن إدارتها للعلاقات مع المجتمعات المجاورة، أصبحت عناصر مؤثرة في أمن المجال الساحلي والأطلسي الأوسع.
وتكتسب هذه العودة من بوابة الساحل معناها العملي من قدرة الجيش الموريتاني على تحويل الجغرافيا الصعبة إلى مجال مراقبة واحتواء. فقد استطاعت موريتانيا، خلال السنوات الماضية، أن تجعل من ضبط حدودها الشرقية والجنوبية الشرقية جزءا من عقيدتها الأمنية العملية، عبر الجمع بين الحضور الميداني والمراقبة والتواصل مع المجتمعات الحدودية وتجنب الانجرار إلى منطق الفوضى المحيطة. وتتعزز هذه الصورة بحضور القوات الموريتانية في مهام حفظ السلام داخل إفريقيا، حيث لا تبدو القوات العسكرية وقوات الأمن مجرد قوات منشغلة بحراسة التراب الوطني وإنما هي أيضا في الواقع قوة سلام ذات كفاءة عالية تسهم في تحقيق الأمن الجماعي الإفريقي وتمنح البلاد رصيدا إضافيا في صورتها الإقليمية.
وتظهر عودة موريتانيا كذلك من بوابة الأطلسي، فهي تمتلك واجهة بحرية طويلة وتجاور ممرات حيوية وتقف عند نقطة تداخل بين غرب إفريقيا والمغرب العربي وأوروبا. ومع دخول مشروع آحميم الكبير المشترك بينها مع السنغال مرحلة تصدير الغاز الطبيعي المسال في أبريل 2025، دخلت البلاد طورا جديدا في علاقتها بخرائط الطاقة البحرية. وإذا كان هذا التطور لا يحول البلاد تلقائيا إلى قوة طاقوية كبرى، إلا أنه يمنحها وزنا إضافيا في الحسابات الأطلسية ويفتح أمامها فرصة لإعادة تعريف مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية، متى ما استطاعت تحويل المورد الطاقوي إلى رافعة سيادية وتنموية وإدماجه في رؤية وطنية أوسع لإدارة الموقع والثروة والعلاقات الخارجية.
وتتسع هذه الدلالة مع تنامي الاهتمام الأوروبي بالطاقة الخضراء والبنية التحتية والتحول الطاقوي، فقد أعلنت المفوضية الأوروبية، في أكتوبر 2025، تعزيز الشراكة مع موريتانيا ضمن مقاربة البوابة العالمية، عبر حزمة استثمارية تشمل الطاقة والنقل والدعم الميزانوي إلى جانب التنمية والتحول الأخضر وإدارة الهجرة. ويكشف هذا التوجه أن موريتانيا دخلت مرحلة جديدة في خرائط الاهتمام الدولي، حيث تتبدل صورتها الأوروبية من بلد صحراوي ساحلي يطلب منه إنتاج الأمن وضبط الحركة، إلى فضاء طاقوي وبحري وبنيوي قابل للاستثمار ضمن التحولات الكبرى التي تعيد ترتيب علاقة أوروبا بجوارها الإفريقي والأطلسي.
وفي ملف الهجرة، تبدو موريتانيا أكثر حضورا في الحسابات الأوروبية المباشرة، فقد صدر الإعلان المشترك بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي حول الهجرة في مارس 2024، في سياق تصاعد الضغط على الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري، وضمن رؤية أوروبية تربط بين التنمية والحماية وإدارة الحدود ومكافحة شبكات التهريب. كما تشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن موريتانيا كانت تستضيف، في يونيو 2025، نحو 309 آلاف لاجئ وطالب لجوء، يرتبط معظمهم بتداعيات الأزمة المالية. وتكشف هذه الأرقام أن البلاد تحولت إلى فضاء استقبال وضبط وتفاوض إنساني وأمني في آن واحد، وأن قيمة موقعها باتت تتحدد بقدرتها على إدارة الضغوط السكانية القادمة من الساحل، وتحويل هذا العبء إلى ملف شراكة ومساومة ومسؤولية دولية.
أما في المجال الأمني، فيكشف اهتمام الناتو بموريتانيا عن طبيعة التحول في موقع البلاد، فحزمة بناء القدرات الدفاعية الخاصة بموريتانيا تركز - وفق ما يعلنه الحلف - على القوات الخاصة والاستخبارات والأمن البحري وإدارة مخزونات الأسلحة الصغيرة والخفيفة والانتقال المهني العسكري والتعليم العسكري. وتكشف هذه المجالات أن التعاون بين الطرفين قد تجاوز مستوى التنسيق الأمني المحدود، وأصبح جزءا من قراءة أطلسية أوسع ترى في موريتانيا حلقة مهمة في بنية الاستقرار حول الساحل والواجهة البحرية، وفي حماية المجال الرابط بين العمق الصحراوي والمحيط الأطلسي.
من هنا يتضح أن عودة موريتانيا إلى مركز الخريطة الإقليمية لا تعني انتقالها إلى موقع الهيمنة أو التهديد لجوارها، إذ إن المعنى المقصود هنا أدق وأكثر تركيبا. فنحن أمام عودة دولة تقع عند ملتقى الضغوط والفرص وتملك بحكم موقعها واستقرارها النسبي وقدرتها على التواصل مع دوائر متعددة، فرصة التحول إلى منصة توازن في بيئة إقليمية شديدة السيولة. فمالي تضغط من الشرق والجنوب الشرقي، والأطلسي يفتح أفقا جديدا من الغرب، وأوروبا تعيد النظر إلى البلاد من بوابات الأمن والهجرة والطاقة، وغرب إفريقيا يعيد ترتيب ممراته ومصالحه، والمغرب العربي يعيش انسدادات مزمنة تحد من قدرته على إنتاج أفق إقليمي مشترك. وعند هذا التقاطع، تظهر موريتانيا بوصفها دولة فاصلة بين خرائط متحركة، وقادرة - إن هي أحسنت إدارة موقعها - على تحويل هذا الفاصل إلى وزن استراتيجي.
غير أنه لا مناص من الاشارة إلى أن هذه المركزية الجديدة تحمل من المخاطر بقدر ما تحمل من الفرص. فالاهتمام الخارجي قد يمنح الدولة قوة تفاوضية إضافية، لكنه قد يدفعها في الوقت نفسه إلى أداء وظائف مرسومة داخل حسابات الآخرين. والهجرة قد توفر مجالا للشراكة والتمويل وبناء القدرات، لكنها قد تتحول إلى عبء إنساني وسياسي إذا نحج الشركاء في اختزال البلاد في دور الحارس الحدودي. والطاقة قد تفتح أفقا تنمويا جديدا، لكنها أيضا قد تعمق هشاشة الاقتصاد إن جرى التعامل معها كريع منفصل عن التصنيع والتشغيل وبناء المحتوى المحلي. والأمن قد يعزز قدرات الدولة، لكنه قد يزيد انكشافها إذا ما تقدمت مقاربات الشركاء على الرؤية الوطنية المتماسكة.
لذلك فإن مغزى هذه العودة لا يكتمل بالاعتراف الخارجي بموقع البلاد ولا باستدعاء تاريخها العميق، وإنما بقدرتها على تحويل الموقع والذاكرة والاستقرار إلى سياسة. فالجغرافيا لا تصنع الدور وحدها والتاريخ لا يتحول تلقائيا إلى نفوذ والاستقرار النسبي قد يصبح رصيدا استراتيجيا أو عبئا صامتا بحسب طريقة إدارته. ومن هنا تبرز حاجة البلاد إلى بناء سردية وطنية تعرف قيمة البلاد من غير مبالغة وتقرأ هشاشاتها من غير انكماش وتفاوض شركاءها من موقع دولة تعرف ما تريد وتملك من الوضوح ما يحول اهتمام الآخرين بها إلى مكاسب سيادية وتنموية.
في ضوء ذلك، تمثل العودة إلى مركز الخريطة امتحانا لعقل الدولة الموريتانية قبل أن تكون مكسبا دبلوماسيا. فإذا ما استطاعت البلاد أن تحول الطاقة إلى رافعة تنموية وأن تدير الهجرة بمنطق يحفظ الكرامة والسيادة وأن تجعل من التعاون الأمني سندا للحماية الوطنية وأن تربط الواجهة الأطلسية بتنمية الداخل، فإنها ستحول موقعها إلى قوة منظمة. أما إذا أخفقت في ذلك، فستتحول المركزية نفسها إلى عبء، لأن الدول الواقعة عند ملتقى الخرائط لا تكسب من موقعها إلا بقدر ما تملك من قدرة على تنظيمه وترتيب مصالحها داخله وتحويل الضغوط المتقاطعة حولها إلى سياسة وطنية واضحة.
وهكذا فإن موريتانيا التي تعود اليوم إلى مركز الخريطة الإقليمية لا تظهر من فراغ ولا تستعير مكانتها من مجرد ادعاءات أو أمنيات؛ فخلف هذا الحضور تاريخ طويل صنعته كومبي صالح وأودغست وآزوكي ووادان وشنقيط وتيشيت وولاتة وجيول وغيرهم، وصاغته ذاكرة القافلة والرباط والواحة والنهر والمحظرة والإمارة، وراكمته قرون من التفاعل بين الصحراء وبلاد السودان والمغرب والأندلس. وأمامها اليوم عالم تتغير خرائطه بسرعة، من مالي المضطربة إلى الأطلسي الصاعد ومن الغاز والهيدروجين إلى الهجرة والحدود والشراكات الأمنية والاقتصادية. وبين الذاكرة والراهن يظل الخيط الناظم واحدا متمثلا في أن هذا المجال كان - في لحظات مفصلية من تاريخه - مركزا يصنع مكانته ويؤثر في محيطه ويسهم في ضبط توازناته، وكل قراءة تتجاهل هذه الحقيقة تعجز عن فهم ماضي هذا البلد كما ستكون أكثر عجزا عن استشراف ما يتشكل حوله اليوم.
مركز أودغست للدراسات الإقليمية






