في كل مرة تعلن فيها الدولة عن حجم التمويلات والقروض التي حصلت عليها خلال السنوات الأخيرة، ينتظر المواطن أن يرى على الأرض نهضة بحجم تلك الأرقام الضخمة؛ نهضة تغير وجه البلاد، وتنعكس على حياة الناس في التعليم والصحة والمياه والبنية التحتية والتشغيل. غير أن الحصيلة التي تُقدَّم دائما للرأي العام، رغم أهميتها، تظل أقل بكثير من مستوى التمويلات المعبأة، وكأننا أمام إنجازات مجهرية بتمويلات جبلية.
فإذا تأملنا قائمة الانجازات خلال السنوات الأخيرة، نجد مشاريع يرونها معتبرة ونراها دون ذلك بكثير، فليس بناء جُسَيْرٍ هنا أو مُليْعِبٍ هناك أو إعادة "تأهيل" بعض المقاطع الطرقية هنالك بالأمر الذي يستدعي التباهي والافتخار.
إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: هل هذه المشاريع، تتناسب -فعلا- مع حجم الأموال المرصودة لها؟ وهل يشعر المواطن البسيط بأن هناك تحولا اقتصاديا واجتماعيا يوازي مستوى المديونية والتمويلات الخارجية؟
إن كثيرا من هذه المشاريع يظل ذا طابع محدود أو موضعي، وبعضها يدخل في إطار الأعمال الاعتيادية التي تقوم بها الدول بشكل دوري كبناء مدرسة مهنية او توسعة مستشفى جهوي أو أرصفة طريق.
لأنها عبارة عن توسيعات أو إعادة تأهيل، لا مشاريع إنتاجية كبرى قادرة على خلق طفرة اقتصادية شاملة أو امتصاص البطالة أو نقل البلاد إلى مرحلة تنموية جديدة.
ثم إن المواطن، وهو يرى استمرار مشاكل العطش والبطالة وتردي بعض الخدمات الأساسية وارتفاع الأسعار وضعف البنية التعليمية والصحية، يتساءل بمرارة: أين ذهبت تلك المليارات؟ وكيف يمكن لتمويلات توصف بأنها تاريخية أن تنتهي إلى نتائج يراها الناس محدودة قياسا بما يتم الإعلان عنه؟
لا أحد ينكر أهمية أي مشروع يخدم الوطن، ولا يجوز التقليل من قيمة الإنجازات مهما كانت، لكن من حق المواطنين أيضا أن يقارنوا بين حجم الموارد وحجم النتائج، فالدول لا تقاس بعدد المباني الرسمية، إنما بمدى انعكاس التنمية على حياة الإنسان العادي في القرية والمدينة.
إن المرحلة اليوم تتطلب شفافية أكبر في عرض الكلفة الحقيقية للمشاريع، وتقييما مستقلا لجدواها، وربط الإنفاق العمومي بالأثر المباشر على حياة المواطنين. فالأمم لا تنهض بكثرة الشعارات ولا بضخامة التمويلات وحدها، وإنما بحسن التسيير، ووضوح الأولويات، وتحويل المال العام إلى تنمية يشعر بها الجميع في الداخل والخارج.
الحسن ولد خيمة النص






