أصدر مركز أودغست للدراسات الإقليمية ورقة تقدير موقف بعنوان: «حين يمعن حكام باماكو في اختبار الصبر الموريتاني»، تناولت التصعيد الأخير الذي شهدته العاصمة المالية باماكو، عقب التجمع الذي نظمه “لفيف 5 أعوام أو أكثر” أمام السفارة الموريتانية، وقراءة زعيمه بياناً تضمن تهديداً للمصالح الموريتانية.
واعتبرت الورقة أن هذا التطور يتجاوز مستوى الحادث الاحتجاجي المحدود، ليعكس انتقالاً مقلقاً في طبيعة العلاقات الموريتانية ـ المالية، من خلافات متفرقة حول الهجرة والحدود والتجارة، إلى مستوى الضغط السياسي العلني على نواكشوط من خلال أطر تعبئة قريبة من السلطة العسكرية الحاكمة في باماكو.
ورأت الورقة أن خطورة الحدث تكمن في ثلاثة عناصر مترابطة: مكانه أمام الرمز الدبلوماسي للدولة الموريتانية، ومضمونه الموجه ضد المصالح الموريتانية، وطبيعة الجهة التي قادته، بوصفها تجمعاً معروفاً بقربه من المجلس العسكري الانتقالي الحاكم في مالي.
ومن هذه الزاوية، لم تتعامل الورقة مع التجمع بوصفه فعلاً معزولاً، وإنما قرأته ضمن سياق أوسع تتداخل فيه أزمة الحكم في مالي مع ضغط الجماعات المسلحة، وتدهور الوضع الاقتصادي، وتصاعد خطاب السيادة بوصفه أداة تعبئة داخلية تستخدمها السلطة العسكرية لتثبيت حضورها وتبرير استمرارها.
وأوضحت الورقة أن العلاقات بين نواكشوط وباماكو لم تعد تتحرك داخل ملف واحد يمكن عزله ومعالجته تقنياً، إذ باتت محكومة بتراكم معقد يشمل الحدود، وحركة الرعاة، واللاجئين، والهجرة، وإغلاق المحلات، وحضور الجاليات، والتجارة العابرة، إضافة إلى تراجع الثقة السياسية بين البلدين.
وفي هذا السياق، يصبح أي حادث جديد حاملاً لذاكرة الملفات السابقة، وتتحول السفارة إلى نقطة تكثيف رمزية للعلاقة كلها، بما يجعل التهديد الصادر في محيطها مؤشراً على أزمة علاقة، لا مجرد خلاف قطاعي محدود.
وتوقفت الورقة عند دوافع التصعيد المالي تجاه موريتانيا، معتبرة أن السلطة العسكرية في باماكو، أو محيطها التعبوي على الأقل، قد تسعى إلى توجيه جزء من أزمتها الداخلية نحو الخارج القريب. ورأت أن موريتانيا تبدو هدفاً مناسباً لهذا النوع من الضغط بحكم الجوار، والمصالح البشرية والتجارية المتداخلة، وحرص نواكشوط على الاستقرار، وامتناعها عن الانخراط في منطق المحاور الصدامية داخل الساحل.
وخلصت الورقة إلى أن التصعيد ضد المصالح الموريتانية لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه ضغطاً على نواكشوط، وإنما أيضاً بوصفه مادة لإعادة إنتاج صورة السلطة المالية أمام جمهورها الداخلي باعتبارها سلطة دفاع عن السيادة والكرامة.
كما استحضرت الورقة ذاكرة الأزمات الإقليمية المأساوية التي عرفتها موريتانيا مع بعض جيرانها، خصوصاً أزمتها مع السنغال سنة 1989، باعتبارها درساً استراتيجياً يحذر من انتقال الخلافات السياسية إلى مستوى الشعوب والجاليات والمصالح المدنية.
وشددت على أن التجارب السابقة تثبت أن الحوادث الصغيرة قد تتحول، تحت ضغط الشائعات والخوف والانتقام المتبادل، إلى أزمات طويلة الأثر، إذا تركت الدولة الشارع يسبق القرار السياسي، أو سمحت للغضب بأن يتحكم في إدارة الجوار.
وبخصوص طبيعة الرد الموريتاني، شددت الورقة على أن نواكشوط مطالبة بالخروج من ثنائية التهاون والانفعال. فالتهاون قد يبعث برسالة ضعف إلى محيط السلطة العسكرية في باماكو، ويشجع على تكرار الضغط على المصالح الموريتانية، بينما قد يمنح الرد الانفعالي حكام باماكو فرصة لتوسيع خطابهم التعبوي، وتقديم موريتانيا في صورة الخصم الخارجي الذي يستهدف مالي.
ومن ثم، رأت الورقة أن المصلحة الموريتانية تقتضي رداً متدرجاً، واضحاً في مطالبه، منضبطاً في لغته، صارماً في إجراءاته، وقادراً على حماية المصالح من دون الانجرار إلى الساحة التي يريدها دعاة التصعيد.
ودعت الورقة إلى أن يبدأ الرد بتثبيت الواقعة دبلوماسياً، من خلال مطالبة السلطات المالية بتوضيح رسمي حول ما جرى أمام السفارة، وتحميلها مسؤولية حماية البعثة الدبلوماسية والمصالح الموريتانية داخل مالي، ومنع تكرار أي تجمع أو خطاب تهديدي في محيطها.
كما اقترحت توجيه احتجاج رسمي واضح، أو استدعاء السفير المالي في نواكشوط، أو طلب لقاء عاجل مع الخارجية المالية في باماكو، مع الحرص على أن تتضمن الرسالة الموريتانية مطالب عملية، بدل بقائها في مستوى العبارات العامة، وفي مقدمتها حماية محيط السفارة، ورفض أي تهديد للمصالح الموريتانية، وضبط الأطر القريبة من السلطة التي تتخذ من الخطاب الشعبوي وسيلة للضغط على نواكشوط.
ورأت الورقة أن الرد الدبلوماسي وحده لا يكفي ما لم يواكبه رفع مستوى الجاهزية القنصلية والأمنية. واقترحت في هذا الصدد تحويل السفارة الموريتانية في باماكو إلى مركز متابعة يومية، يتولى رصد الخطاب المعادي للمصالح الموريتانية، والتواصل المنتظم مع الفاعلين الموريتانيين في مالي، ورفع تقارير دقيقة إلى نواكشوط.
كما دعت إلى إنشاء خلية أزمة داخلية تضم الخارجية والداخلية والدفاع والأمن والجمارك والقطاعات المعنية بالتجارة والحدود، حتى لا تبقى إدارة الأزمة موزعة بين مؤسسات تتصرف كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى.
وشددت الورقة على أن الحدود الشرقية ينبغي أن تدخل في صلب الرد الموريتاني، لأن التصعيد السياسي في باماكو قد لا يبقى محصوراً في العاصمة، وقد تنتقل آثاره إلى طرق العبور والتجارة والرعي وحركة الأشخاص والبضائع.
ولهذا اقترحت الورقة رفع مستوى اليقظة على المعابر والمناطق الحساسة، وتعزيز الاتصال بالسلطات الإدارية والأمنية في الحوضين ولعصابه وكيديماغه، ومراقبة أي تغير في حركة العبور أو في المزاج المحلي، مع تجنب الإغلاق الكامل والفوري للحدود إلا إذا ظهرت مؤشرات خطر مباشرة وواسعة.
واعتبرت أن الضبط الذكي للحدود أكثر فاعلية من القرارات القصوى التي قد تضر بالمصالح الموريتانية وتخلق أزمات جانبية.
كما أوصت الورقة بوضع سلم متدرج للإجراءات، يبدأ بالاحتجاج الدبلوماسي وطلب الضمانات، ثم ينتقل عند الحاجة إلى تشديد الرقابة على العبور، ومراجعة بعض أشكال التعاون الحدودي، وتعليق بعض الأنشطة غير الضرورية إذا استمر التصعيد، وصولاً إلى إجراءات أكثر صرامة إذا تحولت التهديدات إلى أفعال، أو ثبت عجز باماكو عن ضبط محيطها التعبوي.
واعتبرت الورقة أن هذا التدرج يمنح موريتانيا أفضلية سياسية، لأنه يثبت أنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل الابتزاز أو اختبار هيبتها ومصالحها.
وفي المجال الاتصالي، أكدت الورقة أن على الدولة الموريتانية أن تخاطب رأيها العام بوضوح وهدوء، حتى لا تترك المجال للشائعات والمبالغات والمقاطع المجتزأة.
واقترحت إصدار خطاب رسمي مقتضب يؤكد أن موريتانيا تتابع ما جرى، وترفض أي تهديد لمصالحها، وتحمل السلطات المالية مسؤولياتها، وتحتفظ بحقها في اتخاذ ما يلزم لحماية مصالحها ومواطنيها، مع التمييز الصريح بين السلطة المالية الحالية والشعب المالي.
واعتبرت الورقة أن هذا التمييز يمثل ضرورة استراتيجية، لأنه يمنع انتقال الخلاف السياسي إلى توتر اجتماعي بين شعبين متداخلين في التاريخ والجغرافيا والمصالح.
وانتهت الورقة إلى أن الرد الموريتاني الأمثل ينبغي أن يثبت ثلاث رسائل في وقت واحد: أن نواكشوط فهمت طبيعة التصعيد ومصدره، وأنها تملك أدوات حماية مصالحها، وأنها لن تسمح لسلطة انقلابية مأزومة بأن تجرها إلى مستنقع لا يخدم أمنها ولا استقرار جوارها.
فالمطلوب، وفق الورقة، ليس إعلان العداء، وإنما بناء سياسة دولة هادئة في لغتها، صارمة في إجراءاتها، يقظة في تقديرها للمخاطر، وقادرة على حماية المصالح الموريتانية من دون منح حكام باماكو فرصة الهروب من أزماتهم الداخلية عبر صناعة خصومة مفتوحة مع موريتانيا.






