في المنطق الاقتصادي السليم، يفترض أن يكون "المنتج المحلي" هو صمام الأمان للمواطن ، فهو الأقل تأثرا بتقلبات الشحن الدولي، وأزمات العملة، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية ، لكن في موريتانيا للأسف يبدو أن هذه القاعدة معطلة، حيث تتحول الثروات الوطنية من سمك ولحوم وأرز إلى عبء مالي يرهق الجيوب، بدلا من أن تكون امتيازا للمستهلك.
المشكلة عندنا تبدأ حين تتحول "الحماية الجمركية" للمنتج الوطني إلى أداة لرفع الأسعار ،ترفع الدولة الرسوم على المستورد (الدجاج والأرز مثلا) لتشجيع الإنتاج المحلي، لكن بدلا من أن يستغل المنتج الوطني هذه الفرصة لتقديم سعر تنافسي، يقوم برفع سعره ليقترب من سعر المستورد "المحمي". هنا، يجد المواطن نفسه محاصرا بين مطرقة الجمارك وسندان احتكار المنتج المحلي، لتصبح الحماية في النهاية دعما للمنتج على حساب لقمة عيش المستهلك.
من المفارقات الصادمة أن يسجل قطاع الصيد صادرات بمئات ملايين الدولارات في مطلع 2025، بينما يظل السمك في بلد بحري بعيد المنال للكثيرين ، وبالمثل في قطاع اللحوم ، ففي بلد رعوي بامتياز، لا يمكن قبول تحول اللحوم إلى "سلعة نخبوية" مثل ما هو حاصل في بعض البلدان التى تعاني شحا في أعداد الثروة الحيوانية . لقد صدمني أمس تبرير وزير الثروة الحيوانيّة أمام البرلمان لارتفاع أسعار اللحوم باعتباره أمرا طبيعيا يتماشى مع التضخم العالمي و هو تشخيص يقفز فوق الواقع. فاللحوم الموريتانية ليست مرتبطة بالدولار أو الشحن البحري، بل هي نتاج أرضنا. هذا الخطاب الرسمي يكشف عن أزمة رؤية، حيث تعامل المواد الأساسية كسلع تجارية بحتة تخضع لمنطق الربح الحر، لا كقضية أمن اجتماعي وسيادة وطنية.
أين الخلل؟
الأزمة ليست في "الندرة"، بل في بنية السوق التي تعاني من تعدد الوسطاء ، الذين يمتصون الفارق بين سعر المنتج وسعر المستهلك و غياب الرقابة الصارمة بترك هوامش الربح دون ضوابط قانونية وأخلاقية و السماح بتصدير الفائض قبل تأمين الداخل أي تقديم العملة الصعبة على حساب الأمن الغذائي للمواطن.
الأمن الغذائي ليس شعارات ترفع في الندوات، بل هو "وصول المواطن للغذاء بسعر مستقر". ولتحقيق ذلك، يجب على الدولة تجاوز دور المتفرج عبر ربط الامتيازات بالأسعار فلا يجوز منح حماية جمركية أو دعم لأي منتج محلي لا يلتزم بسعر سقف يخدم المواطن.
و عليها تقليل عدد الوسطاء وإنشاء أسواق مركزية تخضع لرقابة مباشرة.
ثم القيام بإعلان دوري عن كلفة الإنتاج الحقيقية وهوامش الربح المسموح بها.
إن قيمة الإنتاج المحلي تقاس بما يوفره في جيب المواطن وعلى مائدته، لا بما يسجله في دفاتر الصادرات ، وإذا استمرت الفجوة بين وفرة الموارد و غلاء المعيشة، فإننا لا نبني اقتصادا وطنيا، بل نرسخ نظاما اقتصاديا يترك المواطن وحيدا في مواجهة المضاربة، تحت غطاء "حماية المنتج الوطني".
النائب يحيى ولد اللود






