الوقوف في وجه التمييز العرقي، والقضاء على مخلفات الرق، ليسا قضية فئة بعينها، بل مسؤولية وطنية جامعة يحملها كل الموريتانيين الأحرار. ومن هذا المنطلق، يظلّ الميثاق من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين حريصًا على أن تكون مطالبه مُعبّرة عن المصلحة العامة، موجّهة لخدمة الشعب الموريتاني برمّته دون استثناء، وأن يأخذ الضغط على الحكومات المتعاقبة طابعًا وطنيًا جامعًا، لا مسارًا فئويًا ضيّقًا.
ولأن السلم الاجتماعي لا يُبنى على توازنات هشّة، بل على إنصافٍ فعليّ يمسّ الفرص والحقوق، كان من الضروري انتزاع المكانة المستحقة بقوة الحجة ووضوح الرؤية، بعيدًا عن منطق التصعيد أو القطيعة، وفي إطار يعزّز الوحدة ويُرسّخ الثقة.
في سبتمبر 2021، قدّم الميثاق من أجل الحقوق السياسية و الاقتصادية والاجتماعية للحراطين تقييمًا دقيقًا للفترة المنقضية من حكم رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث رسمت الوثيقة صورة شاملة لوضع البلد، مع تركيز خاص على معاناة الطبقات الهشة، تحديد لحراطين. ولم يقتصر الجهد على التشخيص، بل تضمن جملة من المقترحات؛ أُخذ ببعضها، فيما ظلّت غالبية المطالب تنتظر التفعيل.
المقترحات الواردة في وثيقة الميثاق الصادرة سبتمبر 2021
1. إعطاء الأولوية في التعيينات وتولي المسؤوليات لأصحاب الكفاءات الوطنية المشهود لها بالنزاهة وحسن التسيير، مع إبعاد كل من ثبت تورطه في الفساد، وفتح المناصب السياسية والإدارية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية أمام جميع المواطنين على أساس الكفاءة وحدها، واستحداث آلية واضحة للتمييز الإيجابي لصالح الحراطين في الولوج إلى الوظائف.
2. دعوة رئيس الجمهورية إلى وضع حدّ للتضييق الملحوظ على الحريات، سواء فيما يتعلق بمنح التراخيص للأحزاب والجمعيات أو بتنظيم التظاهرات السياسية.
3. إشراك كفاءات لحراطين من العنصر النسوي، الذي ظلّ مغيّبًا عن التعيينات خلال الفترة الماضية.
4. الدعوة إلى حوار وطني شامل حول العدالة الاجتماعية، يُفضي إلى عقد اجتماعي حقيقي قائم على دولة القانون، ويؤسس للمواطنة المتساوية على قاعدة الانتماء المشترك.
5. إصلاح قطاع العدالة، باعتباره صمّام أمان لوحدة الوطن، مع ضمان ظروف إنسانية للسجناء وتفعيل برامج تأهيلهم.
6. التطبيق الصارم للقوانين المتعلقة بالفساد والرشوة، وتفعيل مبدأ “من أين لك هذا”.
7. اعتماد معايير شفافة في منح رخص الصيد والتنقيب، بما يضمن عدالة الاستفادة وحماية حقوق المواطنين.
8. وضع سياسة تنموية للوسط الريفي تقوم على دعم الإنتاج الزراعي والحيواني، وإشراك السكان في تصميم وتنفيذ البرامج.
9. إنشاء مناطق تعليمية نموذجية في المناطق الأكثر هشاشة (آدوابة، لكصور، والمناطق النائية)، مع توفير جودة التعليم، والتأطير، والبنى التحتية، والتحفيز، وضمان أولوية الاستفادة من المنح.
10. إطلاق برنامج وطني لمحو الأمية، وضمان التمدرس حتى سن 18 سنة، مع توفير فرص تعليم بديلة للحد من التسرب.
11. تسوية الملف العقاري بشكل عادل وفعّال، عبر التقسيم المنصف للأراضي وتفعيل القوانين لضمان الحقوق.
12. تسهيل إجراءات السجل المدني لضمان حصول جميع المواطنين على وثائقهم، وتمكينهم من الولوج إلى التعليم والخدمات.
13. توسيع نظام التأمين الاجتماعي ليشمل تأمينًا صحيًا شاملاً يأخذ بعين الاعتبار واقع البلد.
14. إعادة توجيه سياسات وكالة “تآزر” نحو حلول مستدامة، تقوم على الشفافية والكفاءة، بعيدًا عن الارتجالية والمحسوبية.
15. تشديد الرقابة على أسعار المواد الأساسية، وخفض كلفتها، وتفعيل القوانين المجرّمة للاحتكار.
16. إنشاء مراكز للتأهيل والتكوين في كل مقاطعة لفائدة الشباب غير المتمدرسين، باعتبارهم ضحايا اختلالات المنظومة التعليمية والاقتصادية.
17. استحداث خدمة مدنية وعسكرية تساهم في إدماج الشباب في الحياة النشطة وتعزيز روح المواطنة.
ومع حلول موعد المسيرة السنوية للميثاق، لا تعود الذكرى مجرّد محطة زمنية، بل تتجدّد كالتزامٍ متواصل، يتحوّل فيه الحضور إلى إسهام فعلي في مسارٍ يربط بين التمكين والعدالة، ويجعل من الإنصاف قاعدةً راسخةً للسلم الاجتماعي.
وردة المختار







