المرأة والعدالة في المنظور الإسلامي/ محمدولد الصحه

المرأة والعدالة في المنظور الإسلامي:  محاضرة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة  قدمها الأستاذ الفقيه محمد ولد الصحه ولد ديدي في امسية نظمها في كيفه منتدى المجتمع المدني.

نص المحاضرة: 
الحمد لله الذي جعل العدل أساس العمران، وميزان القيم في حياة الأفراد والمجتمعات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ الذي جاء برسالة تُعلي من كرامة الإنسان وتؤسس المجتمع على الإنصاف والتوازن.
أما بعد:
أولاً: العدالة قيمة عليا في المنظور الإسلامي
ينطلق التصور الإسلامي من اعتبار العدالة قيمة عليا تنتظم مختلف مجالات الحياة، فهي ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل مبدأ حاكم في التشريع والتنظيم الاجتماعي.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
ومن هنا فإن تناول قضايا المرأة في الإسلام ينبغي أن يكون من داخل هذا الإطار القيمي، لأن الشريعة لم تنظر إلى المرأة باعتبارها موضوع صراع اجتماعي، بل باعتبارها طرفًا أصيلًا في معادلة العدالة الإنسانية.
ثانياً: المقاربة الإسلامية… طريق الوسط
تتميز المقاربة الإسلامية في قضايا المرأة بكونها مقاربة وسطية متوازنة، لا تنخرط في منطق الإقصاء الذي قد تفرضه بعض التقاليد، ولا في منطق الصدام الذي تقترحه بعض الخطابات الحديثة.
فالتجربة الاجتماعية تُظهر أن هناك ثلاث مقاربات كبرى في التعامل مع قضية المرأة:
مقاربة تقليدية جامدة قد تختزل المرأة في أدوار ضيقة لا يفرضها الشرع بقدر ما تفرضه الأعراف.
مقاربة حداثية صدامية تنظر إلى العلاقة بين الرجل والمرأة بمنطق الصراع وإعادة تشكيل المجتمع وفق نماذج ثقافية مغايرة.
مقاربة تحررية منفلتة تسعى إلى تفكيك البنية الأسرية والاجتماعية باسم الحرية المطلقة.
أما المقاربة الإسلامية فهي طريق وسط؛ تحافظ على القيم، وتراعي الفطرة، وتحقق العدالة دون أن تنخرط في صراع الهويات أو تقطع مع البنية الاجتماعية للمجتمع.
ثالثاً: مخاطر المقاربات غير المنسجمة مع الوسطية الإسلامية
إن الانخراط غير الواعي في مقاربات فكرية لا تنسجم مع الوسطية الإسلامية قد يؤدي إلى جملة من النتائج السلبية، منها:
تفكيك التوازن الاجتماعي القائم على التكامل بين الأدوار لا على الصراع بينها.
إضعاف مؤسسة الأسرة التي تمثل في المجتمعات الإسلامية أساس الاستقرار الاجتماعي.
تحويل قضية المرأة من قضية عدالة إلى قضية صراع أيديولوجي.
إرباك المنظومة القيمية للمجتمع بفرض نماذج ثقافية لا تنسجم مع مرجعيته الدينية والحضارية.
ولهذا تظل المقاربة الإسلامية أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الكرامة الإنسانية والاستقرار الاجتماعي.
رابعاً: الحقوق التي قررها الإسلام للمرأة
في إطار هذه الرؤية العادلة قرر الإسلام للمرأة جملة من الحقوق الأساسية، من أهمها:
حق الكرامة الإنسانية والمساواة في أصل التكليف والثواب.
حق التعلم والمعرفة.
حق الملكية والتصرف المالي المستقل.
حق الاختيار في الزواج وعدم إكراهها عليه.
حق الميراث بنص قرآني صريح.
حق المشاركة في الحياة الاجتماعية بما يحقق المصلحة ويحفظ القيم.
وقد شكلت هذه الحقوق في سياقها التاريخي نقلة حضارية واضحة في وضع المرأة.
خامساً: نماذج من حضور المرأة في التاريخ الإسلامي
لم تبق هذه المبادئ مجرد نصوص نظرية، بل تحولت في التجربة الإسلامية إلى حضور فعلي للمرأة في المجتمع.
فقد برزت النساء في:
مجال العلم والرواية.
المجال الاقتصادي والتجاري.
المجال التربوي والاجتماعي في بناء الأجيال.
المجال الاستشاري من خلال المشاركة في الرأي والمشورة.
وهذا يدل على أن المرأة في التاريخ الإسلامي لم تكن عنصرًا هامشيًا، بل شريكًا في صناعة الحياة العلمية والاجتماعية.
خاتمة
ومن اللافت أن أحد أوائل النداءات الكبرى في تاريخ البشرية لاحترام حقوق المرأة وصيانة كرامتها جاء في الخطاب النبوي العظيم في حجة الوداع، حين وقف النبي ﷺ يخاطب الأمة في ذلك المشهد الجامع، فكان من وصاياه الخالدة:
«استوصوا بالنساء خيرًا».
وقد جاء هذا النداء في سياق تأسيس منظومة أخلاقية واجتماعية تقوم على الرحمة والعدل، في لحظة تاريخية كانت المرأة في كثير من المجتمعات تُحرم من أبسط حقوقها.
إن استحضار هذه الوصية النبوية اليوم يذكرنا بأن قضية المرأة في الإسلام ليست قضية طارئة، بل جزء أصيل من مشروع أخلاقي حضاري قائم على العدل والرحمة والتوازن.
والله ولي التوفيق.
الأستاذ الفقيه
محمد الصحة ديدي
ولاية لعصابة – موريتانيا

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.