لم يقدر لبلدنا أن حظي بكبيـــر إنجازات ظلت خـــالدة فى الذاكــرة الجمعية بعد الإستقــــلال باستثنـــــاء قرارين هما :
القـــرار الاستراتيجي في العـــام 1973م القاضي باستقــلال موريتانيــا الاقتصــادي عن الفرنـك الغـرب إفريقي ، رغم مــــا واجه البلد حينــها من تحديــات كبيــــرة لينجــــح مؤخـــرا في تعزيـــــز السيـــــادة الاقتصـــادية.
والثاني هــو تأميم شـركة مناجم الحديـد الموريتانية (ميفرمـا) المملـوكة لفرنسـا في العام 1974م والذي يعد محطة رئيسية في تاريخ موريتانيا الاقتصـادي والسياسي، حيث تم تحويلـــها إلى الشـركة الوطنية للصناعة والمناجم (سنيم)، وقد مكنت هذه الخطوة التاريخية من إستعادة السيادة الكاملة على الموارد الطبيعية للدولة، تبعتها تعويضات للمساهمين (مجموعة روتشيلد الفرنسية) بلغت 90 مليـون دولار تم دفعـها على مدى خمس سنوات ليتم اغلاق الملف نهائيا في العام 1981م.
ولم تجد نفعا بعد ذلك أغلب الخطط الخمسية والعشريـة ولم تنفع كل الحلـول المؤقتة ــ والتي يطبع جلهـا الارتجال ــ في سبيـل الإصـلاح ــ من طــــرف الحكومات المتعاقبة على تـولي تسييـر الشـأن العـام على مـــدى 50 عــاما بعد إصـدار الأوقية الموريتانية وميلاد (اسنيم ).
ولم تتمكن تلك الخطط رغـم كثرتها واختلاف مسمياتها من الوصول إلى تحقيق ما يرقى للخلـود في الذاكـرة، باستثناء النجاح مؤخرا في إنشاء الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة في العام 2010م بالمرسوم (2010/150) والتي يرجع لها الفضـل في إيقاف نزيف بالغ الخطـــــورة كــاد يعصف بكيان الدولة من الأساس لكونـه يتعلق ببيع الوثائق الوطنية ومنحها لمن يرغب.
وفي ظل الإخفاق المتزايد وعدم تحقيق الانجازات الكبيرة التي يتطلع لها الجميـع لإحـداث تنمية شاملة تتجاوز طابع التردي الذي نشهده فى كل القطاعـات ــ بالرغـم مـــن ملاحظة الرغبة فى التغيير نحو الأفضل من طرف السلطات المسؤولة عن تسييـر شــؤون الدولة في كل الفترات المتتالية بدليل حجم المخصصات المالية والمنفقة سنويا من أجل ذلك ــ تبين للجميع بما لا يقبل الشك أن انتشار الفساد بوصفـه الداء العضال الذي تغلغـل في مفـاصـل الدولة هـو المسـؤول الأبـرز عـن تقويض تلك السياسـات والخطط الرامية إلى النهـوض بالإقتصاد، حيث درجت على ممارسته بشتى الطرق أغلب كوادر البلـد وسـاهم فـي انتشـاره وجود منـاخ وحاضنة إجتمـاعية ارتبط كلاهما بالبـداوة ومــــا تمليه مـن الوفاء والإرتباط ــ دون اعتبار للدولة ومؤسساتها ــ بالإنتماءات الأسرية والقبلية والجهوية والفئوية وغيرها.
ولإن استطاعت الدولة مؤخرا اكتشاف أن الرياح المواتية للإنتصار عليه إنما تكمن في وضع استراتيجيات وأساليب لمكافحته واعتماد ضـوابط وتشريعات تضمـن الشفافيــة وتصعّب الممـارسة ــ مثل نظام تضارب المصالح، وتقييم المخاطـــر في القطاعات الحيوية كالمشتريات العامة، والتجريم وإنفاذ القانون الذي يعمل على تجريم جرائم الفساد المختلفة كالاختـلاس والرشـوة والإثـراء غير المشروع، ووضع عقوبات رادعة، وتوفير آليات فعالة لملاحقة مرتكبيها أمام القضاء ــ فلن تنجح تلك الرياح مهما كانت مواتية في القضاء عليه ما لم يتم اعتبار "المحاربة " وجهة محددة ووحيدة لسفينة البلد.
الدكتور/ الحسن أحمد طالب ــ أستاذ جامعي






