تمر اليوم خمس سنوات على رحيل العقيد عمر ولد بيبكر. كان ذلك يوم الثلاثاء 24 نوفمبر 2020. عرفناه في ولاته في ظروف اعتقال قاسية، قاتلة. وفي الحقيقة، كان مصيرنا نحن المعتقلين قد حُسم نهائيًا عندما قدم إلينا، حوالي 30 أغسطس 1988، عمر ولد بيبكر — بصفته القائد الجديد للتجمّع الجهوي في النعمة، الذي تتبع له قلعة ولاته — فقام، في وقت وجيز (خمسة أشهر: من أغسطس 1988 إلى يناير 1989)، بكل ما كان في استطاعته من أجل تلطيف ظروف اعتقالنا والحد من الكارثة السجنية التي كنّا نعيشها.
لقد تناولنا هذا الموضوع مطولًا، وتناولنا معه قضايا عديدة مترابطة، في عدة كتابات، ولا سيما في النصَّين اللذين خصصناهما لتكريم عمر. لذلك لا يتعلق الأمر هنا إلا بتذكير موجز، وفاءً للرجل، وللوطني الذي كانه، ولخصاله.
لقد نال العقيد عمر ولد بيبكر تقدير واحترام ومودّة عدد كبير من الموريتانيين. وكان الزخم التضامني الكبير لصالحه عند اعتقاله في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز دليلًا ساطعًا على ذلك. أمّا بالنسبة لضحايا سجن ولاته الناجين، فباستثناء مجموعة صغيرة معروفة، ودوافعها معلومة، فإن الجميع يدينون له بالفضل — حتى وإن ظلّ هذا الامتنان، لدى الكثيرين ولأسباب مختلفة، صامتًا، غير مُعلن كما كان ينبغي له أن يكون. وهذا مؤسف حقًا، لأن الأمر في جوهره يمثل شكلًا من أشكال الجحود تجاه رجل يدين له هؤلاء الناجون بالكثير، الكثير.
«سأتدخلُ بتصريحٍ أقول فيه إنّ عمر ولد بيبكر هو مُنقذُنا…». هكذا كان أحد الناجين يكلّمني عبر الهاتف قبل بضع سنوات. ستخبرونني إن كان لديكم ذكرٌ لمثل هذا التصريح، شفهيا كان أم مكتوبًا. أمّا أنا فلا. ولسببٍ واضح: فذلك التصريح لم يصدر قط عن الناجي الذي التزم به. (من يدري لماذا؟ هل خاف؟ هل تعرّض لضغوط؟). وذاك ناجٍ آخر أخبرني أنّه خاض جدالا حادا مع أحد أولئك المتهجّمين على العقيد عمر خلال نقاش داخلي، لكنه لم يجرؤ يومًا على اتخاذ موقف علني للدفاع عنه. وثالثٌ من مجموعة المنتقدين تلك كان يهيج ويثور كالممسوس، وفي إحدى هلوساته ادّعى أنّ عمر من مواليد امباني (وهو ادعاء خاطئ بالطبع)، قبل أن يعترف لاحقًا همسًا بأنه أخطأ: لقد خلط بين عمر ورجلٍ آخر…
الخلاصة:
هناك من صنوف الجحود ما يحطّ من قدر أصحابه، ويرفع من شأن من يقع عليهم.
والوقت يعيد دائمًا الأمور إلى نصابها، ويُرجع الحقّ إلى أهله.
طوال سنوات خدمته، لم يتوقف عمر ولد بيبكر عن محاربة الظلم والتمييز. فقد راسل، كتابةً، الجهات المختصة للتنديد بتجاوزات أو المطالبة بحقوق لصالح أفراد زنزج من الحرس تعرّضوا للمضايقات وغيرها. كان ذلك في سنوات 1990/1991. وتوجد وثائق وشهادات تؤكد ذلك.
وبعد أن تحرر من واجب التحفظ الذي تفرضه مهنته، حمل العقيد عمر ولد بيبكر قلمه، وفتّش في أرشيف البلاد، وكشف عن المظالم والتمييز وانحرافات السلطات المتعاقبة، ولا سيما عبر سلسلة من خمسة مقالات نشرها بين يونيو وسبتمبر 2016. كانت نصوصًا رفيعة المستوى، تناولت الوحدة الوطنية، وانتهاكات حقوق الإنسان، واللغات الوطنية، والمساواة بين المكونات، وغيرها من القضايا التي لا تزال تجد صداها في حاضرنا.
بكتاباته، وبمسيرته الوطنية، وبشجاعته، وبعمله التوعوي، سيظلّ العقيد عمر جزءًا من ذاكرة بناء موريتانيا جديدة تقوم على العدالة، انطلاقًا من مراجعة نقدية شجاعة ومن مكاشفة جماعية. فإعادة بناء بلد — وقد أصبحت ضرورة — ولَمّ شمله، يقتضيان الجرأة في الاعتراف بالانحرافات والأخطاء والظلم والجرائم التي ارتُكبت، ثم الالتزام بجبرها، ووضع الضمانات حتى لا تتكرر. وهذا ما كرّس العقيد عمر ولد بيبكر السنوات الأخيرة من حياته من أجله. صوته الشجاع نفتقده اليوم.
رحمه الله.
بوي آلاسان هارونا
24 نوفمبر 2025
منقول ومترجم






