ما بين الخطاب الذي يرفض القبيلة والواقع الذي يفرض التعامل معها

تعيش الدول التي ما زالت القبيلة تشكل جزءا من نسيجها الاجتماعي توترا بنيويا بين خطاب رسمي يدعو إلى تجاوز الانتماءات القبلية، وواقع يومي يفرض الاعتراف بها باعتبارها إطارا حاضنا للعلاقات والتوازنات الاجتماعية والسياسية.

وقد جاء خطاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الداعي إلى ابتعاد الموظفين عن الاجتماعات القبلية، ليعكس إرادة سياسية تهدف إلى ترسيخ منطق الدولة والمؤسسات على حساب منطق العصبية والانتماءات الضيقة.


غير أن هذا التوجه على وجاهته، يصطدم بإشكال عملي يتمثل في أن عددا كبيرا من كبار الموظفين وأطر الدولة هم في الوقت ذاته زعماء قبائل أو وجهاء فاعلون داخل حواضنهم الاجتماعية، مما يخلق ارتباكا في المشهد بين الدور الرسمي والدور التقليدي لهؤلاء بعد خطاب الرئيس وتعميم الوزير الأول.


فكيف يُطلب من المسؤول أن يتجرد من امتداد اجتماعي يشكل جزءا من شرعيته في نظر محيطه؟ 


وكيف يطلب منه دعم النظام ويحظر عليه الاجتماع بحاضنته؟

لقد ظلت القبيلة، عبر تاريخ المنطقة، إطارا للتكافل والحماية وحل النزاعات. غير أن الإشكال الحقيقي يظهر حين تتحول من رابطة اجتماعية إلى أداة للنفوذ السياسي وتوزيع المناصب الانتخابية والتدخل في التعيينات والحصول على الامتيازات غير المؤسسة على أية مشروعية، فيضعف الانتماء الوطني لصالح الولاءات الجزئية.

وإذا كانت الدعوة إلى حظر حضور المسؤولين الكبار للاجتماعات القبلية تفهم بوصفها خطوة نحو إلغاء القبيلة أو تحييدها عن الواقع الاجتماعي، فإن ذلك غير ممكن وغير واقعي، أما إذا كان المقصود بها ضبط حضورها في المجال العام ومنع تأثيرها على القرار الإداري والسياسي، فإنها تصبح ضرورة وطنية لا غنى عنها.

فليس من مصلحة الدولة محو البنى التقليدية كليا، ففي ذلك طمس لتاريخ المجتمع وثقافته، وإنما الأجدر هو تحديثها وإعادة تنظيم حضورها ضمن أطر لا تتعارض مع منطق المواطنة ولا تتجاوز سلطة القانون.

ويبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من دولة تتصالح أو تتصادم مع منطق القبيلة إلى دولة تحتويه وتضبطه، بحيث يظل الانتماء القبلي شأنا اجتماعيا وثقافيا، لا معيارا للتعيين ولا أداة للضغط على السياسات العامة.

وبين خطاب يرفض القبيلة وواقع يفرض التعامل معها، تظل الحاجة قائمة إلى مقاربة متوازنة لا تنكر الواقع ولا تستسلم له، بل تسعى إلى إصلاحه وتحديثه في إطار الدولة والمؤسسات.

الحسن ولد خيمة النص

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.