الجيش الموريتاني بين العقيدة الوطنية وتجاذبات السياسة
مع أني لا أعيش في محيطٍ يعرف المؤسسة العسكرية عن قرب، ولا تربطني علاقاتٌ شخصية أو اجتماعية بصنّاع القرار العسكري، فإن اهتمامي بنشأة الدولة الموريتانية الحديثة قادني إلى تتبّع دور الجيش الوطني في التجاذبات السياسية منذ عام 1978.
وقد تبيّن لي أن العقيدة التي تأسس عليها الجيش الوطني لم تكن دفاعيةً محضة، بل قامت على قيم المواطنة الراسخة، التي تأبى كل ما يناقض جوهر الدولة الوطنية ومقتضيات بقائها.
ومن خلال شهادات بعض الضباط السابقين يتّضح أن تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي كان استجابةً لشعور بخطرٍ وجودي يهدد الدولة، في ظل غياب أحزابٍ مدنيةٍ حقيقيةٍ مؤهلةٍ لتولّي الحكم.
وقد واجه الجيش الوطني الإيديولوجيات القومية والأممية والعرقية المنافية لفكرة الدولة الوطنية، وخسر في سبيل ذلك كفاءاتٍ وخبراتٍ كان بأمسّ الحاجة إليها، غير أن الأخطار الوجودية لا تُهادَن، وإن كانت كلفتها باهظة.
غير أن الخطر اليوم بات داخليًا، متمثلًا في الفساد الإداري والمالي الذي تحميه تكتلاتٌ وظيفية ونَسَبية وجهوية. ويوازيه خطرٌ آخر لا يقلّ شأنًا، يتمثل في احتماء بعض كبار موظفي الدولة بالقبيلة لإجهاض مساعي الإصلاح، وهو سلوكٌ يهدد أسس دولة المواطنة ويُضعف ثقة الناس في مؤسساتها.
ومن هنا تبرز أهمية رؤية رئيس الجمهورية في محاربة الفساد وتحويله إلى تنمية، وهي رؤية تحتاج إلى تعبئةٍ وطنيةٍ عامة، وإلى دراسةٍ علميةٍ جادة لظاهرة ضعف تأثير الخطاب الإصلاحي في الواقع الإداري، على أمل أن يكون خطابه الأخير في الحوض الشرقي بداية تحولٍ جذري نحو تكريس قيم دولة المواطنة.
ويبقى الأمل معقودًا على الجيش الوطني في الإسهام بدراساته وتحليلاته في فهم هذه الأخطار الوجودية غير التقليدية، وصياغة مقارباتٍ واقعيةٍ لمواجهتها.
ونسأل الله أن يوفق الجيش الوطني ويسدده، وأن يحفظ به أمن البلاد واستقرارها.
الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي






