نكبتنا: انشغال النخبة بالهوامش/ محمد الصُّحَّه ديدي

 

ابتُليت هذه الأمة، منذ بدايات تشكّل وعيها الفكري، بانصراف جزء من نُخبها إلى الجدل اللفظي، والتأويلات المتكلفة، والانشغال بالقشور على حساب الجواهر. وهو ابتلاءٌ قديم يتجدد اليوم بأدوات معاصرة، أكثر صخبًا، لكنها لا تقل سطحية، ولا أقل ضررًا على الوعي الجمعي.

وفي هذا السياق، ثار تحامل شديد على أحد العلماء الربانيين المشهود لهم بالعلم والرسوخ، بسبب قوله إن انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى كان نكبة على الأمة. وهي عبارة لا تصف مقام النبي، بل تصف حال الأمة بعد فقده عليه الصلاة والسلام، وهو تعبير معروف عند أهل العلم والسير واللغة، يُقصد به عمق الفقد وثقل المصيبة، لا مقام من فقدناه.

ومع وضوح السياق، وسلامة القصد، إلا أن بعض المنتسبين للنخبة لم يرَ في الأمر إلا فرصةً للاتهام والتشغيب، فسارعوا إلى تأويل الكلمة على غير وجهها، وتمادوا في سوء الظن، بل في سوء الأدب، حتى زعم بعضهم أن في العبارة انتقاصًا من مقام الرسالة!

وهذا المنزع لا يدل إلا على سطحية الفهم، وغفلة عن أساليب العرب، وجهلٌ بمقاصد أهل العلم، بل هو ضربٌ من الانشغال بالهوامش على حساب الأصول، وغياب عن القضايا المصيرية للأمة.

فالنكبة، حين تُقال في هذا السياق، إنما تُستعمل بمعناها العميق: الانكسار بعد العز، والضياع بعد الهدي، لا ذمًّا في صاحب الرسالة، بل بيانًا لحجم الخسارة التي مُنيت بها الأمة بعد رحيله صلى الله عليه وسلم.

خلاصة القول:
النكبة الحقيقية اليوم ليست في لفظٍ قيل، ولا في استعارة لغوية استخدمها عالم رباني، بل في انحدار مستوى الفهم، وضعف الوعي، وانشغال كثير من النخبة بالتوافه عن القضايا الكبرى. إنها نكبة في ميزان الأولويات، وفي فقه المقاصد، وفي أدب الحوار، بل في غياب القدرة على الإنصاف.

وإذا استمر هذا المسار من تحريف الكلام، وتحميل الألفاظ ما لا تحتمل، فلن تكون النكبة وصفًا مجازيًا، بل واقعًا دائمًا تُعيد النخبة إنتاجه كل يوم.

بقلم: محمد الصُّحَّه ديدي

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.