في موريتانيا، عمر الوزير لا يُقاس ببرنامجه أو إصلاحاته، بل بعدّاد الكراسي المتحركة التي لا تهدأ في كل تعديل. الكفاءة والتخصص لم يعودا معياراً، بل المحاصصة، الترضيات، والتوازنات السياسية. والدليل الأبرز: وزير الشؤون الإسلامية الجديد مهندس ميكانيكي مختص في السفن، بينما وزير الزراعة المخضرم، الذي قضى أكثر من عشرين سنة في القطاع، أُقيل ببساطة في لحظة حسابات داخلية. باستثناء وزير الصحة ووزير الشؤون الاقتصادية، لم يُسند أي وزير إلى تخصصه، وكأن الرسالة: "الوزارة ليست مؤسسة، بل موقع في لعبة".
وزراء الداخلين وأسباب دخولهم
وزير العدل: محمد ولد اسويدات
الاختيار هنا لم يكن مهنياً، بل سياسياً: الرجل من شريحة لحراطين، ومنح وزارة سيادية أخرى هي رسالة واضحة، كما أن قوته السياسية المتنامية في لبراكنه، باتت محل تهديد لجناحي الوزير الأول ورئيس البرلمان.. إدخاله بهذا الشكل يعني أيضاً إبقاؤه على منصة الانطلاق نحو ما هو أعلى.
وزير الشؤون الإسلامية: الفضيل ولد سيداتي ولد أحمد لولي
كان وزيراً للصيد، وغادر المنصب محمّلاً بملف أزمة سجن الناشط البيئي اعلي ولد بكار، التي كادت تتحول إلى فتيل صراع قبلي في نواذيبو. التغيير هنا أشبه بعملية تدوير سياسية.. يُبعد عن الصيد لتهدئة السكان، ويوضع في الشؤون الإسلامية حيث المنصب أقرب إلى "غرفة الانتظار" منه إلى مركز نفوذ.
وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية: عبد الله سليمان الشيخ سيديا
طرح اسمه قبل أربع سنوات، ولعلّ رئيس الجمهورية يقول لماذا لم اختره بدل ابن عمه إسماعيل بن بدّه، ربما تغيّر المشهد عمّا هو عليه الآن.
لا خلاف على كفاءته، وهو اسم توافقي جاء من أبي تلميت، كحل وسط بين أجنحة متصارعة هناك.. إقالة وزير الصحة ولد وديه فرضت تعيين شخصية من نفس الحاضنة الاجتماعية لامتصاص الغضب، لكن المنصب ليس تقنياً بقدر ما هو صمام أمان اجتماعي.
وزير الصحة: محمد محمود اعلي محمود
الشاب التكنوقراط الوحيد تقريباً بين الداخلين، تم اختياره لإظهار أن الحكومة ما تزال قادرة على إنتاج "كفاءات" والتذكير بشعار "مأمورية الشباب"، حتى لو أن وجوده جاء على حساب وزير الزراعة.
وزيرة الوظيفة العمومية والعمل: مريم بيجل
محاسبة شابة بلا خبرة في القطاع، لكنها ابنة السياسي المخضرم بيجل ولد حميد، الهدف واضح، زيادة حصة لحراطين داخل الحكومة، ومكافأة عائلة سياسية نافذة. دخولها أدى مباشرة إلى خروج وزير التنمية الحيوانية من نفس القبيلة، في لعبة توازنات قبلية لا ترحم.
وزير الصيد والبنى التحتية البحرية: المختار أحمد بوسيف
كان على خلاف مع لوبيات الأراضي، فاختير لإدارة الصيد لأنه أدار سابقاً شركتين في المجال. القرار هنا لا يعكس رؤية استراتيجية للقطاع بقدر ما يعكس نقل ملف الخلافات من طاولة إلى أخرى.
وزير الزراعة والسيادة الغذائية: سيد أحمد ولد ابوه
خروجه من المالية وإرساله للزراعة يرى البعض أنه ضربة مباشرة لتقليم أظافر الوزير الأول ولد أجاي، لكن العارفين بخبايا الأجنحة والولاءات داخل الحكومة يقولون إن الرجل كان يتجاوز في كثير من الأحيان الوزير الأول، وربما سمحت له علاقاته السابقة بالقصر بالإمساك بالعديد من الملفات الحساسة، لكن ربما طموحه واتكاله على خبرته، وعدم تسهيله لملفات شخصيات نافذة، هو الذي أدى إلى تحويله إلى وزارة أقل درجة، فالمنصب قد يتحوّل إلى ساحة عقاب أكثر من كونه مسؤولية سيادية.
وزير التنمية الحيوانية: سيد أحمد ولد محمد
إضافة جديدة لتمثيل لحراطين في الحكومة، لكنه في الواقع مرحلة انتقالية لتهيئة إقالته من رئاسة الحزب الحاكم. إدخاله هنا أقرب إلى صفقة خروج مشرف منه إلى تكليف فعلي.
وزيرة الإسكان والعمران: الناها حمدي مكناس
رئيسة حزب سياسي، عادت عبر بوابة الإسكان لترضي زعامات الشمال، خاصة بعد أزمة سجن اعلي ولد بكار. تعيينها أيضاً رسالة موجهة لرؤساء الأحزاب بأن "الباب مفتوح" قبيل الحوار.
لماذا خرج الوزراء السابقون؟
الخارجون لم يغادروا بسبب فشل إداري أو ملفات فساد (رغم الحديث عن وجودها)، بل لأن توازنات "الكرسي المتحرك" فرضت ذلك:
• وزير الزراعة المخضرم ضحّى به التبادل القبلي.
• وزير التنمية الحيوانية أقيل لفسح المجال لابنة بيجل.
• وزير الشؤون الإسلامية أطيح به بتهمة فساد صامتة، بينما منصبه لم يتجاوز المحاصصة.
• آخرون جرى تدويرهم بين الحقائب، كما لو أن وزارات الدولة مجرد مقاعد في صالة انتظار.
وزارات "سريعة الاستهلاك"
الأغرب أن بعض الوزارات الخدمية، الحساسة بطبيعتها (كالزراعة، الصحة، التعليم، الإسكان، المياه)، شهدت تغيير 7 أو 8 وزراء خلال 6 سنوات فقط. أي أن عمر الوزير في هذه الحقائب لا يتجاوز 9–10 أشهر! وهو معدل يكفي بالكاد لتعلّم اسم موظفي الديوان، لا لرسم سياسات وطنية.
التعديل الوزاري الأخير لم يكن عن "من يصلح للقطاع"، بل عن "من يصلح لتسكين الصراع"، الوزارات تحولت إلى قطع دومينو، والوزراء إلى أوراق لعب يتم تبديلها وفق إيقاع الصراع القبلي والشرائحي والسياسي. أما الكفاءة فبقيت، كعادتها، الغائب الأكبر.
#مجابات #موريتانيا






