سياحية صيفية... ولكن لمن؟ / محمد الصحه ديدي

من الطبيعي، بعد خمس سنوات من إلزامات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لحكومته، وتوجيهاته المتكررة بتنفيذ تعهّداته، وطموحاته المعلنة في بناء دولة الإنصاف، وسماعه المتواصل لتقارير الأداء من مختلف القطاعات… أن يتصور – بحسن نية – أن الداخل بات في وضعٍ يسمح بأن يكون مسرحًا لعرس وطني، اجتماعيًّا واقتصاديًّا، تستحقه البلاد بعد عقود من التفاوت والإهمال.

ولعل دعوته الأخيرة لقضاء العطلة الصيفية في الداخل جاءت في هذا السياق، كرغبة صادقة في إعادة الاعتبار للمكان، وإنعاش الروح الوطنية، ودعم السياحة الداخلية، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي في موسم الركود.

لكن السؤال الذي لا بد من طرحه، بأدب ومسؤولية، هو: هل هذا الداخل ـ كما هو واقعًا ـ مؤهّل فعلًا ليكون فضاءً للراحة والمتعة والانتعاش؟ أم أن الصورة في الميدان ما تزال بعيدة كل البعد عن النشرة الرسمية؟ وهل تمّت مراجعة الواقع قبل إطلاق الحملة، أم اكتُفي بالتصورات التقنيّة والافتراضية؟

الداخل ـ كما يراه ساكنوه لا زوّاره ـ لا ماء فيه ولا كهرباء، لا مستشفى مجهز ولا طريق آمن، ولا مدرسة تقي العقل من الجهل، ولا كرامة تصون الإنسان من الذل. 

الداخل الذي تتبدّى مأساته في صورة خرساء : امرأة تلد على التراب تحت شجرة، لا ظل لها إلا صبر الفقراء، ولا معين لها إلا أنين المنتظرين في طابور الموت البطيء... هناك، حيث لا طبيب ولا سرير ولا ضماد، بل مجرد شجرة تقف مقام الدولة.

ذلك هو الداخل الذي تُروَّج له الحملات، وكأن الناس قد شبعوا وأمنوا وتداووا وكسوا، ولم يبقَ إلا أن "يصطافوا". أما الواقع، فهو جوعٌ مقيم، وعطشٌ مزمن، وعُريٌ لا يختبئ، وخوفٌ يسكن الوجوه والأصوات.

كان الأجدر بالحكومة، بدل الترويج لعطلةٍ في الهجير، أن توجه نداءها إلى من تكدّست في أيديهم أموال الشعب: كبار الموظفين، و"رجال الأعمال" الورقيين، وسماسرة الأقارب والمصاهرة… أن يعيدوا ما استولوا عليه، وأن يُصلحوا ما أفسدوا، وأن يُنصفوا من حُرم، قبل أن يدعوا من لا حول له ولا قوة، وهو صابرٌ على وطنه، إلى السياحة والترفيه!

إنها دعوة لا تخلو من سوء أدب مع المحرومين، ونكءٍ لجراح من طالهم الإقصاء واعتادتهم العين بصفتهم "لا أحد".

فهل هي دعوة للترفيه، أم تلويحٌ للغاضبين بأن يصمتوا ويبتسموا… وهم يغرقون في الظلم؟

إن أقل ما يُنتظر من القائمين على هذا الخطاب هو بعضُ الإنصاف… أو على الأقل: احترام مشاعر الناس.

بقلم: الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.