حوار موسى فال: يُشرعن التجزئة ويُجرّم السردية الجامعة/ محمد الصحه ديدي

محمد الصحه ديدي

في لحظة تتطلّب توحيد الجهود حول فكرة الدولة، وتثبيت السردية الوطنية الجامعة، يخرج المنسق العام لما يسمى بـ"الحوار الوطني"، السيد موسى فال، باقتراحات تُذكّرنا لا بمشروع بناء، بل بخطة تفكيك، ولا بإصلاح سياسي، بل بتسويق ممنهج للتمايز والانفصال المعنوي عن الدولة.

نقاط الحوار المقترَح ليست سوى بنود خفية من أجندة تجار الإقصاء، أولئك الذين امتهنوا شيطنة الأغلبية وتحريم الدولة وتجريم المجتمع، تحت لافتة "الإنصاف"، وبلغة ظاهرها الحقوق وباطنها هندسة الطلاق مع المشروع الوطني المشترك.

لقد مرت موريتانيا بمجموعة من الانقلابات السياسية، تنوّعت دوافعها بين عرقية، وقومية، وأيديولوجية أممية ذات خلفيات عقدية. ورغم تعددها، فإن المؤسسة العسكرية تعاملت معها جميعاً بميزان واحد من الحسم والاستعادة النظامية، لم تُجزّئ، ولم تُفرّق.

لكن المستغرَب – بل المثير للقلق – هو أن نقاط الحوار الحالية تستدعي نموذجًا عرقيًا واحدًا فقط من هذه الانقلابات، وتضعه في خانة “الإرث الإنساني”!
فهل أصبح التمرد المسلح على الدولة إرثًا إنسانيًا حين يصدر عن مكوّن معين؟
وهل أصبحت المؤسسة العسكرية متّهمة لأنها أدت دورها في حفظ وحدة الدولة؟

إن في ذلك تحريفًا للتاريخ، وتحريماً ضمنيًا للمؤسسة، وتجريمًا مبيّتًا للمجتمع بأكمله. وهذا من أخطر ما يمكن أن يُمرر في حوار، يُفترض فيه أن يكون طريقًا نحو التلاقي، لا منصة لزراعة بذور الانفصال الذهني والسياسي.

وإن التوسّع في توظيف "المصطلحات الناعمة" مثل "الإرث الإنساني"، و"التعدد الهوياتي"، و"التمثيل المكوّني"، ليس سوى لغة مفخخة تخفي داخلها مشروعًا لتفريغ الدولة من جوهرها، وتحويلها من كيان وطني جامع، إلى ساحة تفاوض بين مكوّنات تصطنع المظلومية وتطالب بالامتيازات.

سيدي المنسق، إنك أدرى الناس بأن الدولة لا تُبنى على جبر الخواطر، ولا على إعادة إنتاج روايات ذات بعد واحد، وإنما تُبنى على العقد المواطني، على المشترك، على إعادة الاعتبار للسردية الجامعة التي تحمي الجميع من الوقوع في مطبّات التنازع الهوياتي.

فإعادة الاعتبار لنموذجٍ واحد من التمرّد المسلح وإعادة تسويقه على أنه موروث حضاري، يقابلها في الواقع تجريم ضمني للمجتمع، وتشكيك في شرعية الدولة، واتهام مباشر لمؤسسة الجيش التي حفظت البلاد من الانهيار.

فهل هذا حوار… أم بداية لنزع الشرعية من الدولة؟
وهل نتحاور على مستقبلنا المشترك… أم نعيد رسم خريطة النزاع بأدوات المصطلحات والمظلومية الانتقائية؟

ثم نسأل في نهاية المطاف:
الرئيس الحالي نفسه صرّح بوضوح أننا لسنا في أزمة سياسية.
فلماذا نُسمّي ما يقوم به موسى فال "حوارًا"؟
ولماذا يُستدعى هذا المصطلح المحمّل في غير موضعه؟

المصطلحات السياسية ليست لعبًا لغويًا، بل أدوات توجيه وشرعنة وتأسيس.
وحين تُستعمل خارج سياقها الأمني والاجتماعي الحقيقي، فإنها تُصبح أخطر من النزاعات ذاتها.
فمن سمح باستدعاء "الحوار" في غياب الأزمة؟
ومن يملك الحق في تحويل واقعٍ مستقر إلى نزاعٍ مصطنع عبر تسميات خادعة؟

إننا أمام لحظة دقيقة، والمطلوب ليس التهويل ولا التجميل، بل وقف هذا المسار الذي يزرع الانقسام باسم التعدد، ويُحرّم الدولة باسم الإنصاف، ويجرّم المجتمع باسم الاعتراف.

نقولها مرة أخرى:
هذا ليس حوارًا...
بل هو تفكيك مُقنّع لوحدة الدولة الموريتانية.

الاستاذ الفقيه محمد الصحه ديدي 

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.