سؤال على هامش ترحيل سوق المواشي بكيفه/ محمد الصحة ديدي

في خطوة وُصفت بالتنظيمية، قررت السلطات الإدارية في مدينة كيفة ترحيل سوق المواشي العريق إلى منشأة جديدة شُيّدت في أطراف المدينة. لكن هذه الخطوة، التي رُوِّج لها على أنها جزء من خطة حضرية، تثير استغرابًا واسعًا، وتساؤلات مشروعة عن مدى انسجامها مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي المحلي.

الموقع الجديد، بحسب مصادر محلية، لم يُختر وفق معايير فنية شفافة، بل يُقال إن وزيرًا سابقًا تدخّل في تحديده خدمةً لمصالح خاصة. وقد نُفّذ جزء من مبانيه عن طريق مشروع يشهد له الجميع بالزبونية والمحسوبية، ما يطرح علامات استفهام على نزاهة التخطيط.

ورغم الخطاب الرسمي الداعي إلى "تنظيم الأسواق"، فإن القرار في عمقه بدا كمن تجاهل واقعًا حساسًا، يتمثل في أن آلاف الأسر في ولاية لعصابة — وبالخصوص في مدينة كيفة — تعتمد اعتمادًا شبه كلي على هذا السوق في تحصيل قوتها اليومي، من خلال نشاطات متفرعة عن "حقوق السوق" ومداخيلها المتواضعة.

فهل يُعقَل أن تُقدَّم الرؤية الهندسية على الأرواح؟
وهل أصبح التنظيم ذريعة لتهميش الضعفاء بدل أن يكون وسيلة لخدمتهم؟
أليس بقاء الأطفال والعجزة على قيد الحياة أولوية أولى قبل أي اعتبار عمراني أو هندسي؟

سوق المواشي ليس مجرد فضاء تجاري، بل شريان حياة لطبقة واسعة من السكان.
ونقلُه إلى موقع ناءٍ، دون وسائل نقل ميسّرة، ولا مهلة انتقال تدرجية، يُهدد بإغراق هذه الطبقات في مزيد من العجز والحرمان.

إننا، إذ نؤكد أهمية التنظيم الحضري، نُذكّر بأن "التنظيم" ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لخدمة الإنسان وكرامته. وإذا تعارض مع أبسط حقوق البقاء، وجب مراجعة أولوياته فورًا.

فالبناء المؤسسي لا يُقاس بجمال الخرسانة، بل بمدى حفظه لكرامة الضعفاء، ولا معنى لحضارة تُبنى على حساب الجياع والمُعدَمين.

من هنا، فإن المقاربة الأنسب هي التي توازن بين مقتضيات التحديث ومصالح الناس الواقعية، وتراعي أن التنظيم لا يكون حضاريًّا حتى يضع قوت البسطاء في المرتبة الأولى.

لا تنظيم حضريّ إلا بدهس الحدّ الأدنى من كدّ العيش الكريم؟!
سؤال على هامش ترحيل سوق المواشي بكيفة
إعداد: الأستاذ الفقيه محمد الصحة ديدي

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.