الصفحة الأساسية > الأخبار > الأمل الضائع - الديمقراطية الموءودة 2006-2008

الأمل الضائع - الديمقراطية الموءودة 2006-2008

الاثنين 24 تشرين الأول (أكتوبر)  09:53

محمد الأمين ولد أحظانا كاتب وإعلامي موريتاني

كتاب استهواني فقرأته، كتبت تحت هذا العنوان عن مجموعة محدودة من الكتب أذكر منها كتاب "الوزير" لأستاذي الكبير محمد محمود ولد ودادي، وعن كتاب الباحث والمؤرخ الطالب اخيار ولد الشيخ مامينه " الشيخ ماء العينين شيوخ وأمراء في مواجهة الاستعمار الأوروبي"، وعن كتاب للزميل الحسين ولد محنض عن التاريخ الموريتاني.

هذه المرة سأكتب جملة من الخواطر عن كتاب في السياسة قرأته بتأن أول الأمر لاستبيان مضامينه، ثم أعدت قراءته لأستمتع بلغته السلسة، وأخيرا قرأته لأفيد مما ينضح به من شعور عال بالمسؤولية اتجاه الوطن، واتجاه الدولة الموريتانية، التي تناوشها أيادي غير أمينة منذ عقود، ومزقتها شر ممزق، وتركتها تسير على حبل رفيع فوق قرار سحيق، بدون أن تمنحها مجرد عمود للتوازن, أو تربطها بحبل أمان.

الكتاب يقع في 264 صفحة من الحجم المتوسط، صدر عن دار "آرمتان" l Harmattan،في طبعة أنيقة،,

عنوان الكتاب "موريتانيا الأمل الضائع" 2006-2008 الديمقراطية الموءودة,

مؤلف الكتاب هو الديبلوماسي المتألق والسفير ووزير الخارجية والتعاون السابق محمد السالك ولد محمد الأمين.

يتوزع الكتاب على مقدمة وتسعة فصول هي:

- وزير الخارجية،

- وضع التوجيهات المحدِدة للسياسة الخارجية موضع التنفيذ،

- مجلس الأمن،

- إسرائيل،

- قضية الصحراء الغربية،

- اللجنة الوزارية المكلفة بعودة اللاجئين، وحل الإرث الإنساني،

- إصلاح وتحديث الجهاز الدبلوماسي،

- نتائج مشرفة،

- الستار الحديدي, نعود إلى مضامين الكتاب، الذي سعى صاحبه بجهد واضح وفق فيه إلى حد كبير، إلى الابتعاد عن التحامل، والتحلي بالموضوعية والإنصاف، في عرضه للأحداث، وفي تحليله لمختلف الظواهر والمعطيات التي جمعها،أو التي عاشها ملاحظا، ثم منفعلا؛ ففاعلا.

يقول أحد الدبلوماسيين البارعين: "الدبلوماسية هي الفن الذي يجعلك تقول لكلب شرس، يا لك من كلب لطيف.. حتى تجد الفرصة لالتقاط حجر"..لقد صدقت هذه المقولة على الرجل، وهو يتناول بكثير من اللباقة وضعية وزارته التي عين عليها فوجدها أقرب إلى كائن يحتضر والنسور يتجمعون حوله ينتظرون أن يلفظ أنفاسه للانقضاض عليه

لقد حول العسكريون تلك الوزارة إلى "مصلحة تابعة لديوان رئيس الجمهورية"، يتم ذلك برغبة من الوزراء أنفسهم، أو رغما عنهم، فلا وجود إطلاقا لسياسة خارجية، وإنما المعطيات الآنية ، وأهواء القصر ، ومن يقومون عليه، ومتطلبات التمويل والإعانات هنا أو هناك هي التي تحدد الخطوة التالية، التي هي في الغالب مرتجلة، وبعيدة من التأني والتقدير. ثم أن الوزير يلتقط أخيرا "الحجر" ويستل" الشعرة من العجين" بوضع سياسة واضحة وقوية، تسعى وبطريقة ممنهجة إلى وضع الدبلوماسية الموريتانية على السكة بعد أن فقدت بوصلة الاتجاه الصحيح,

عن هذا الكتاب الهام كتب أستاذنا الكبير معالي السفير والوزير السابق، والإعلامي المخضرم محمد محمود ولد ودادي، فلم يترك لدارس "متردما" ولا لمتتبع مسلكا، لهذا سأركز على الملاحظات والخواطر التي أثارها الكتاب، والشجون التي يستدعيها في نفوس المهمومين بشؤون موريتانيا المرتهنة منذ عقود..

أذكر أنني كتبت مجموعة من المقالات أواسط التسعينات عن " إخفاقات الدبلوماسية الموريتانية ما بعد الثمانينات"، نشرتها حينها في صحيفة القلم التي كنت محررا لها، وقد لاحظت حينها أن تلك الدبلوماسية فقدت طعمها وعبقها لأنها أصبحت في يد البواب النافذ الذي يُضحك مدير الديوان بنكتة عن وزير الخارجية، أو يحمل له عنه وشاية فيعزله، والوجيه الذي يلتمسن الرئيس أن يعين ولده المتخرج من كلية الآداب وزيرا للخارجية, مقابل الولاء، أو مكافأة على تصويت قريته أو جناحه من المدينة، فيتم له ما أراد, وقد تكون هذه الدبلوماسية في يد شخص كفء لكنه قد يعزل، وهو في أحد المؤتمرات، يناقش مع الشركاء وأهل التعاون مشروعا مهما في خافته أحد أصدقائه في المؤتمر بالأمر، فيطوي أوراقه وهو يضرب أخماسا بأعشار، ويشيعه من كان يتفاوض معهم بنظرات الإشفاق، إن لم نقل الاحتقار.

مرة كنت أزور صحبة الدكتور المصطفى محمدو، الأستاذ الدكتور والسفير السابق بواشنطن محمد فال بن عينين، وكنت أعرف أن الأخير صديق حميم للدكتور محمد الحسن لبات الذي عين في تلك الأيام وزيرا للخارجية بعد أن كان رئيسا لجامعة نواكشوط. فقلت للدكتور محمد فال أهنئك على تعيين صديقك وزيرا للخارجية، فرد بمرحه المعهود,, كيف أهنأ علي تعيينه، في وقت يمكن عزله لأنه مر على البواب دون أن يحييه فيشي به فيعزل, لهذا الحد وصلت دبلوماسيتنا في فترة تسلم الأستاذ محمد السالك مهامه.

نعود إلى خواطرنا يقول أحمد العساف، وهو دبلوماسي عراقي كتب عن تجربته الطويلة في العمل الدبلوماسي": ما أجمل أن يكون السفير الذي يمثل بلاده أديباً نهماً للمعرفة، حريصاً على حسن تمثيل ثقافته وأناسه، وأن يحتفظ بفوائد من فترات تمثيله يرويها للأجيال كي يقتبسوا من خبرته وتجربته؛ فالتجارب عقل ثان وثالث"..

لقد أحسن الأستاذ والكاتب محمد السالك حين تحدث عن تجربته الدبلوماسية بعقل نقدي متيقظ، فكان يحسب بدقة الإخفاقات، والنجاحات دون أن يعبر عن خيبته في الأولى، أو عن حبوره الزائد في الثانية، لقد كان يتحدث عن تجاربه المرة حين وضع استراتيجية واضحة المعالم، وكأنه يصف حالة منفصلة عنه، ولهذا الأسلوب أثره الكبير في التأثير على القارئ، والمتلقي.

الأمل الكبير الذي فتحته انتخابات 2007م، باعتبارها تجربة فريدة عربيا وفي شبه المنطقة، تم تشخيصها في الكتاب بطريقة آسرة، حيث أن الخارجية الموريتانية في هذا العهد الذي سأسميه هنا تجاوزا" الومضة الخاطفة"، استثمرت بذكاء في استراتيجيتها هذه الومضة من أجل استعادة صدقية دبلوماسية الدولة الموريتانية التي خرمتها عقود من اللامسؤولية النابعة من جهل القائمين عليها بأصول هذا الفن، أو عدم وجود الوقت الكافي للتعامل مع القطاع بالنسبة للبعض الآخر : (أحد وزراء الخارجية تم عزله بعد عشرين يوما، وآخر بعد ثلاثة أشهر).

كما أحسن الكاتب عملا حين استوعب بحكم تكوينه الدبلوماسي، وذكائه المعرفي، العلاقة المتشابكة بين السياسة والاقتصاد والثقافة، فموريتانيا امتلكت مكانتها المميزة دبلوماسيا، باستخدامها للثقافة والمعارف العربية الإسلامية، ولهذا كان للبعثات العلمية دورها البارز في التعريف بموريتانيا،ومن وراء ذلك جنت البلاد الكثير من المنافع الاقتصادية، والسمعة الكبيرة في الأوساط العربية والإسلامية...

إن العلاقات الدولية محكومة بقواعد وخيوط غير مرئية، لكنها تمتاز بالمتانة، وترفدها شبكة من المصالح الآنية والبعيدة المدى، والثقافة أهم هذه الروافد، لهذا السبب فإن الدول الواعية لمصالحها الاستراتيجية، تسعى إلى موطئ قدم ثقافي بالإنفاق بسخاء على تعليم لغاتها، وتمثل ثقافتها لتضمن هذه المصالح، والبعثات التي تم إرسالها في السنة الدراسية 2007-2008 لمدينتي "طوبا" ومدينة "كولخ" بالسنغال باقتراح من وزارة الخارجية، أو بمباركة منها مازال ريعها يعود بالنفع المعنوي والمادي على موريتانيا حتى اليوم. ثم إن مؤلف الكتاب تفطن بذكاء للقضاء التدريجي على اللغة العربية، فلم يعزها لسيادة الافرانكفونية فقط، وإنما لتمكين العروبيين من هذا الملف تقية، وهروبا من المسؤولية، فتحكمت العواطف في الإصلاحات التربوية وفي المناهج التعليمة، فولدت خديجة، ونمت كسيحة.

لقد برهن السيد الوزير والسفير محمد السالك محمد الأمين في هذا الكتاب على مقولة العساف بأن على السفراء أن يتمثلوا ثقافة بلدهم، وأن يصوغوا تجربتهم لتنتفع بها الأجيال.

الكتاب "الأمل الضائع " كما ترجمته، " والأمل الخائب" كما ترجمه بصدق أستاذي ودادي، هو صياغة لتجربة عملية نابعة من ثقافة سياسية، وممارسة دبلوماسية متميزة امتدت عقودا على أديم أرض متحركة، لكن صاحبها أستطاع أن يخلق ومضة من ضياء في افق مدلهم، وقطرة من أمل في بحر من اليأس, كما برهن من خلال فصول الكتاب التسعة على أنه يعني ما يقول، ويعرف كيف يضع المبضع على مكمن الداء، فالبلد يعاني في سمعته الخارجية من فرط الإهمال، ورداءة من يختارهم سفراء، لسبب بسيط وهو أن هؤلاء تم تعيينهم "موظفين" وليسوا سفراء بالمعنى الحقيقي، كلهم يذهب إلى بلد ثم يعود منه دون أن يعرف شيئا عن ثقافة هذا البلد، وتجاربه التي يمكن أن يستفيد منها البلد، وهو يدرك بالتجربة أنه لن يحاسب على إهماله، لكنه سيهرع إلى مقاطعته وولايته بعد التحلل من كل الالتزامات حين يزور رئيس الدولة، أو رئيس الجمهورية، أو رئيس اللجنة..

تلك المقاطعة ليراه المخبرون، "ويحسن" على من يُحسن إليه: ويدرأ شر من يُدرأ شره.... إذا أراد أن يظل متمتعا بتلك الامتيازات... سنكون ظالمين إن عممنا هذا الأمر، فهناك دبلوماسيون عملوا في أحلك الظروف لصالح بلدهم، وتعاملوا بدبلوماسية مع هذا السيل الجارف من فساد الأذواق والأخلاق والأعراف في عصر ديكتاتورياتنا الديمقراطية، و"ديمقراطياتنا" الدكتاتورية.

لقد احتفظ الوزير محمد السالك بفرائد مهمة حيث نقل لنا صورة دقيقة عن البلاد التي تحدث عنها سواء كانت بلادا عدوة كإسرائيل، أو كانت بلادا صديقة وشقيقة عربية وإفريقية، أو بلادا أخرى إسلامية وأوروبية، أو أمريكية. لقد شخص بعمق واقع الأزمة الأخلاقية التي يعاني منها مجتمع العولمة "المسكين"، خاصة بلدان الجنوب ضحية هذه الوثبة الاقتصادية المتخبطة، والبلدان المصنعة أو "المتقدمة" ضحية الانتكاسة الأخلاقية المروعة.

نجن هنا أمام تجربة فريدة وجهد يستحق التقدير والاحترام، وإمكانات سياسية ودبلوماسية رفيعة لاشك أن بلدنا في أمس الحاجة إليها.

وبهذا الأسلوب الرائع الذي كتب به الكتاب وبالتكامل بين فصوله، وموضوعيته وإنصافه في عرض الحقائق والتجارب فإنه يحق لنا أن نلتمس من مؤلفه الإسراع ما أمكن في ترجمته إلى اللغة العربية ليكون في متناول القارئين بهذه اللغة، التي هي لغة الناس ولغة القراءة رغم ما تعرضت له في الماضي وتتعرض له هذه الأيام من مؤامرات لمحوها من خارطتنا الثقافية.

مهما كتبنا فلن نوفي هذا الجهد حقه ... وبالمناسبة فإننا سننشد مع شاعر عربي قديم في حق مؤلف هذا الكتاب الذي لا أذكر أنني التقيته للأسف، أو تحدثت إليه:

أضَاعُونِي وَأَيّ فَتًى أَضَاعُوا لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَدِ ثَغْر

الرباط 21/10/2016

2 مشاركة منتدى

اضف تعقيب

الأخبار قضايا تحاليل ملفات آراء حرة اصدارات مقابلات أعلام سوق كيفه منبر كيفة أخبار الجاليات الظوال أسعار الحيوان صور من لعصابه قسم شؤون الموقع والوكالة تراث دروس كاريكاتير نساء لعصابه قناة كيفة انفو
صفحة نموذجية | | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
جميع الحقوق محفوظة لـ " وكالة كيفة للأنباء" - يحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من الوكالة ©2014-2016