طمس عَلم!

الخميس 13 تشرين الأول (أكتوبر)  12:45

بقلم/ م. محفوظ ولد أحمد

كقارئ لما يَكتب أحد كبار كُتاب الرئاسة الموريتانية حاليا، استغربت من التناقضات العجيبة والتهافت المذهل الذي برر به تبني الحملة الجارية لتغيير رموز الدولة وخاصة العلم الوطني.

أول ما طعن به الكاتب هو قوله: "لم يكن أي من هذه الرموز الثلاثة (العلم والنشيد والشعار) حاصلَ إجماع وطني حول مقترحات تُوجت باستفتاء شعبي، كما يدعو إليه المتحاورون اليوم..."

وكأنهم يوم وضعوها كانوا في عصر الجمهورية العاشرة!!

وبعد أن رحب بلون العلم الأخضر (ويسهل فهم ذلك!) بقي عليه أن يجد طريقة لتفضيل اللون الأحمر الذي تقترحه الحملة.

فذكر من أسباب استبعاد المؤسسين له أن فرنسا التي "منحت" الاستقلال (كان عليهم رفض هذه المنحة!) "لا تحبذه".

ومن المآخذ أيضا على العلم الوطني أنه اقتبس أرضيته الخضراء (التي امتدحها وسيختارها) من دولة باكستان؛ مع حيرته الشديدة في أي شيء يجمعنا مع باكستان، واستنكار أي صلة تربطنا بها؟!

أما النجم والهلال، فعيبهما الأساسي عنده أنهما في علم الأتراك، ولا شيء طبعا يجمعنا بالأتراك ولا حتى بالعثمانيين.

يفهم من هذا التحليل أن فرنسا لا يعجبها علمها الوطني، ولا يتفق مع ذوقها، بدليل أن ثلثه كان ولا يزال أحمر قانيا. كما لا يفهم منه أن علم تركيا أحمر. ولا أنه يوجد نجم وهلال في عَلم تونس وفي علم الجزائر، ونجوم في أعلام عربية وإفريقية (هو لا يذكر إفريقيا أصلا!).

أما ما يحتاجه الهلال من "تأصيل"، كما قال، فلا بد أنه لم يراجع فيه ـ على خلاف عادته الحميدة ـ المصحف وكتب الصحاح؛ حيث ورد ذكر الأهلة والشهر... مواقيت للناس والحج، والصوم. وحيث يقوم تاريخ الأمة والعرب قبل الإسلام على الأهلة، ويؤقت بالنجوم...

ويبدو أن كاتبنا الكبير قد "أخذ راحته" في الكلام، فرد على نفور العلامة محمذن ولد باباه ـ حفظه الله ـ من "الرمزية اليسارية"، موهما أن ذلك بسبب جهله للعلوم اليسارية!

وهنا استطرد، مُعلِّما وناثرا الفوائد واللطائف التي لم يدركها ولد باباه، ليقول إن "سبب اختيار اليساريين للون الأحمر... أنه يرتبط بالتضحيات التي سالت فيها الدماء غزيرة دفاعا عن أوطان، أو مبادئ. ويريد اليساريون، عرفانا للذين بذلوا أغلى ما يملكون، تخليد ذكراهم".

وهكذا قد نتوهم أن الموريتانيين إما أن المجاهدين منهم الذين قاتلوا الفرنسيين:

كانوا شيوعيين أو يساريين على الأقل، وإما أن النظام الحالي، صاحب الحملة والحلبة، شيوعي/ يساري! في عصر ما بعد انهيار الشيوعية وإفلاس اليسار أو "تيمنه" (تحوله لليمين) وكلا الاحتمالين ساقط وباطل طبعا!!

هذا هو أهم ما يتعلق بالعَلم من ضمن الرموز في مقال الكاتب الألمعي.

بقي أن الدكتور، الذي نتوقع حرصه على الموضوعية والدقة العلمية، اختار أن يخوض في نقاش مقالات مكتوبة ـ في كتاب انتخبه ـ مَعْزوة لثلاثة أشخاص اثنان منهم موجودان (ولد باباه وولد علاف، أمد الله في عمريهما) بدلا من أن يأخذ منهما مباشرة قولاً لا يحتاج للضرب في الاحتمالات البعيدة والغريبة.

استعرض الكاتب بتحليلات تناسب "المقام" ثلاث روايات لإنشاء العلم الوطني الموريتاني، اثنتان منها أصحابهما موجودون؛ تقولان باختراع الموريتانيين له اختراعا، والثالثة تقول ـ حسب توصيف الكاتب ـ "باستجلاب علم جاهز، كما تستجلب المواد المعلبة"(واليوم يوشك أن تستجلب مقاومة معلبة!) من مقاطعة وهران الجزائرية، إبان ثورة الجزائر على المستعمر الفرنسي.

ورواية اقتباس العلم الوطني من علم جزائري، انفرد بها المرحوم محمد سعيد ولد همدي، ولكن الكاتب فضلها لسبب آخر (غير الاستيراد والتصدير) وهو أنها جاءت على "لسان محايد، عكس الروايتين الأخريين"!!

كيف تفهمون معنى الحياد هنا في ذلك الوقت خاصة!

أخيرا في هذا الباب، ينسب الكاتب الفخرَ إلى بعض "ﮔـوميات وإمالزن" بأنهم كانوا على نفاق وغدر مع حلفائهم الفرنسيين الذين ـ كما يتصورـ لم يكونوا يأمنون "انقلابهم" عليهم! وهذه لطيفة في تأصيل "الانقلابات" العسكرية وربطها بالمقاومة... وربما من هنا فقط يجب تكريم المقاومة وتخليد ذكرياتها الانقلابية!

لا، يا كاتبنا المحترم؛ المقاومون الذين قاتلوا المستعمر وباعوا أنفسهم لله بالجنة، كانوا مجاهدين ومهاجرين في سبيل الله؛ لا يبحثون عن السلطة ولا المناصب، ولا يقبلون خفر الذمة ولا الغدر بمَن أمنوه وائتمنهم. تلك أخلاق قوم آخرين مِن دونهم...!

اضف تعقيب

الأخبار قضايا تحاليل ملفات آراء حرة اصدارات مقابلات أعلام سوق كيفه منبر كيفة أخبار الجاليات الظوال أسعار الحيوان صور من لعصابه قسم شؤون الموقع والوكالة تراث دروس كاريكاتير نساء لعصابه قناة كيفة انفو
صفحة نموذجية | | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
جميع الحقوق محفوظة لـ " وكالة كيفة للأنباء" - يحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من الوكالة ©2014-2016