الصفحة الأساسية > الأخبار > البيئة الحضرية في مدينة كيفه

البيئة الحضرية في مدينة كيفه

السبت 24 أيلول (سبتمبر)  08:00

الدكتور محمد محمود ولد المصطفى أستاذ بجامعة نواكشوط باحث في قضايا التنمية الترابية

أصبحت المدن تشكل اليوم ولاسيما الكبرى منها مركز استقطاب وجذب للأنشطة الاقتصادية مختلف فروعها ومجالا توطنه السكان، فالتنافس الدولي حاليا ومستقبلا هو تنافس ما بين المدن وما توفره من إمكانيات لجلب الاستثمار، وتحقيق حياة حضرية ملائمة لقاطنيها، والمدن الموريتانية لا تخرج عن هذه القاعدة، بحيث هي في قلب الإشكالية، مادامت موريتانيا اختارت سياسة الانفتاح وصادقت على عدة اتفاقيات دولية سواء منها التجارية أو البيئية.

ورغم مشاركة البلد في كل الموضوعات التي تخص البيئية من مؤتمرات ولقاءات: ابتداء من المناظرة الدولية بستوكهولم سنة 1972 ومؤتمر دكار 1989 ومؤتمر قمة الأرض بريودجانيرو 1992 وقمة جوهانسبوغ 2002 وقمة المناخ سنة 2015 والتي خرجت بتوصيات كلها تنصب حول سبل المحافظة على البيئة ودق ناقوس الخطر الذي يتهدد ساكنة العالم، فتدهور البيئية اليوم في البلد يشكل احد جوانب إشكالية التنمية المستدامة.

فمظاهر التمدين على الرغم من قدمها نسبيا بالتراب الموريتاني، إلا أنها عرفت تطورا سريعا مع بداية القرن العشرين، بحيث انتقلت نسبة الحضريين من5 %سنة 1965 إلى حوالي 55 % خلال إحصاء 2013 .

لقد لحق بالمدن الموريتانية جراء هذا التمدين المتسارع أضرار بيئية هامة وعلى جودة الحياة بفعل التخطيط غير المعقلن في كثير من الحالات وغيابه في أخرى، وضعف التحكم في إنتاج مجال حضري متوازن، مما جعل المدن الموريتانية تنمو بشكل عفوي تحت تأثير فاعلين ينتمون إلى قطاعات غير منظمة، ونتج عنه بالتالي ظهور مدينة تجمع بين مختلف المتناقضات. وقد حاولت الدول إصلاح الوضع، إلا أن مختلف المقاربات السياسات التي تم نهجها في العقود الثلاثة الأخيرة في ميداني التنمية والبيئة، تميزت بقطاعيتها، ولم ترق إلى تبني حل شمولي ودائم، مما ساهم في هدر الموارد ولم تعمل على استدامتها.

وهكذا تقتضي متطلبات التنمية بالوسط الحضري الكيفوي أو غيره بذل مجهودات كبيرة لإعادة التوازنات المختلة وذلك لما يقارب قرنا من الزمن، مما دفعنا إلى طرح الإشكالية أو التساؤلات التالية، أي وضعية بيئية تعرفها مدينة كيفه؟ كيف يمكن إلزام الفاعلين في تدبير وهيكلة المجال الحضري نهج تنمية حضرية مستدامة.؟

يرجع التدهور البيئي بهذه المدينة بالأساس إلى التوسع العمراني، وماله من تبعات : ضعف التجهيزات الأساسية كالطرق وغياب شبكة الصرف الصحي، وانعدام وسائل معالجة النفايات بشقيها، ضعف وعي السكان بأهمية البيئية ودورها الحيوي في حياتهم.

تعد خدمة النظافة والتطهير من الخدمات الحضرية التي لا غنى عنها، وتتأكد ضرورتها في بلد كموريتانيا لا تزال خيوط التحضر لم تتضح بعد في جميع أرجائه، ومدينة كيفه بحكم انتمائها للمدن الجنوبية من البلاد البعيدة عن الساحل حيث بوادر الانفتاح على العالم الخارجي، والرواج الاقتصادي والثقافي لا تزال قابعة في لحاف من التهميش. تفاقمت مشكلة البيئية الحضرية بظهور النفايات باختلاف أنواعها وتراكمها بالوسط الحضري بدون أدنى معالجة مما ترتب عنها أضرار متعددة الجوانب.

لم تفلح اللامركزية المزعومة منذ ثلاثة عقود في الحد من مخلفاته. ولقد سبق وان اكتشفنا من خلال العمل الميداني الذي طال بعض أحياء المدينة أن النظافة كخدمة حضرية لم تكن ذات شان يذكر لدى أرباب الأسر، وقد لاحظنا إن الغالبية العظمى من المواطنين بالمجال الحضري تظن مسبقا أن الهدف من إنشاء البلدية هو نظافة المدينة فقط، فهم عندما يطرق المحصل البلدي أبوابهم يتذمرون من دفع الضريبة لان البلدية لم تقم بخدمة النظافة والأوساخ تحيط بمساكنهم، من كل جانب. وهذا ما سبق وان أظهره المسح الوطني حول الظروف المعيشية 2008 الذي بين أن معدل الأسر التي تستفيد من خدمة النظافة لا تتجاوز 1.66% بولاية لعصابه مقابل 21.77% على المستوى الوطني.

 النفايات الصلبة والسائلة وغياب المساحات الخضراء تلوث يهدد البيئة الحضرية للمدينة.

إن اعتماد المقاربة البيئية لا يقتصر فقط على التخطيط الحضري وأشكال استعمال الأرض، بل تتعدى هذا المفهوم، وذلك ضرورة التفكير والتخطيط في طرق التخلص من النفايات بكل أنواعها وتهيئة المجال الحضري باعتباره اكبر رهان يجب إن تركبه البلدية لتحسين المحيط البيئي وجودة الحياة.

لقد أثرت الزيادة السكانية السريعة والأنشطة الممارسة على البيئة الحضرية لمدينة كيفه، فرغم غياب معطيات إحصائية دقيقة حول التلوث البيئي لهذه المدينة، فإن الملاحظات المستقاة من الدراسات والأعمال الميدانية تفيد أن مدينة كيفه من أكثر المدن الموريتانية تلوثا لوسطها الحضري ، وأكثرها انتشار للإمراض و الأوبئة ذات الصلة بالتلوث البيئي.

وأصبحت مسالة جمع النفايات الصلبة المنزلية والصناعية والطبية ومخلفات أماكن إصلاح السيارات، تطرح نفسها بالاحاح داخل المجال الحضري لكيفه الذي لا يتوفر مدينة كيفه على شبكة للصرف الصحي، فالعديد من الأسر تلقي بنفاياتها، إما في الشارع مباشرة أو في حفر مطمورة، أو يتم إفراغها في وادي المسيلة، دون أن تخضع إلى أدنى معالجة، ونشير إلى أنه ونظرا لعدم وجود قنوات خاصة لتصريف مياه الأمطار، فهذه الأخيرة تؤدي إلى اكتساح العديد من المنشآت العمومية الحضرية، جارفة كل ما تجده من نفايات مختلفة، وملحقة أضرارا جسيمة على مستويات عديدة.

أما في ما يتعلق بالنفايات الأخرى بمختلف أشكالها، الصناعية والطبية والأوساخ الناتجة عن مرآب السيارات وسواق المواشي ووراق الأشجار فإنها تتكدس في الشوارع لتعيق المرور عبر تلك الشوارع. ونتيجة لذلك فقد تلوثت البيئة الحضرية وخصوصا في فصل الخريف بحيث تتجمع مياه الأمطار وتشكل متنقعات من المياه الملوثة ذات روائح كريهة وتتسرب المياه إلى باطن الأرض حتى تتلوث المياه الجوفية، كما تسببت في تلوت التربة في وادي المسيلة التي تكر فيها الأنشطة الزراعية، ذلك أن البيئة الحضرية الملوثة في هذه المدينة أصبحت مصدرا للعديد من الأمراض والأوبئة.

وقد بمسح ميداني للمدينة و يتضح أن نسبة 80.2% من أرباب الأسر بالأحياء التي شملها المسح صرحت بأن بلدية كيفه الحضرية لم تقم بأي تدخل بشان نظافة المدينة، وتتباين هذه النسبة على مستوى الأحياء من 57.2% بحي الجديدة إلى 89.4% بحي النزاهة، 96% حي ادباي 88% حي سكطار 84% في حي تويمرت 96% في حي لقليك.

فيما أعلنت نسبة 19.1% من المستجوبين أنها عملت على تنظيف الشوارع بأحيائها وذهبت نسبة 6.4% إلى أن تدخل البلدية في النظافة اقتصر على تنظيف السوق التجاري المركزي بحي الجديدة وأعلنت نسبة 4.3% أنها تمكنت من تحديد مكبات لجمع القمامة ، أما فيما يتعلق بتوفير صناديق القمامة أمام المنازل كإحدى المرامي المعبرة عن الإرادة والشعور بالمسؤولية فهذه اجمع جميع المستجوبين على عدم وجودها إطلاقا.

يبدو أن حي الجديدة الذي يحتضن مقر البلدية والسوق المركزي ويلامس الحي الإداري، حيث مباني الولاية والمقاطعة وباقي الإدارات الجهوية كان نصيبه من النظافة أهم مقارنة بحي النزاهة، فالذين أشاروا إلى دور البلدية في تنظيف شوارعهم بلغت نسبتهم 28% بحي الجديدة مقابل 5.3% بحي النزاهة، كما انه بحكم قرب سكان الجديدة من السوق واطلاعهم عليه بشكل يومي كانت نسبة 7.1% قد أوردت انه للبلدية دور في تنظيف هذا . ويبين الجدول التالي تطور إنتاج كميات النفايات الصلبة اليومية بمدينة كيفه.

السنوات **عدد السكان المدينة **حجم النفايات بالطن لليوم

1962*********4400 **********0.7

1975** *********16700 ******2.5

1977 *********10700** 1.6

1986 *******20000 **3.0

1990 ******32373 *6.5

1995** *****41567 **8.3

1998 ********43649 **10.9

2000 *********47678** 11.9

2006 *******68222** 18.3

2010 ******79119 **29.7

2 مشاركة منتدى

  • البيئة الحضرية في مدينة كيفه 12 أيلول (سبتمبر) 17:51, بقلم ا.س.ع.ن

    جزاك الله خيرا يا دكتور على القيام بهذا البحث الجيد الذي أظهر أن مدينتا و سكانها يعانون من آثار عدم وجود خدمات حضرية مناسبة و خاصة إزاحة النفايات من الشوارع و أماكن العمل كسوق الحيوانات والمسالخ و غيرها. لكن أعتقد أنه كان من الأفضل أن تتطرقوا الى أسباب هذه الاختلالات و اقتراح حلول لها. كنت أيضا اتوقع تحديد الأحياء الأكثر تضررا بفعل المشاكل البيئية و نوعية التلوث على مستوى كل حي. وحتى إن أمكن تحديد تأثير هذه المشاكل على صحة المواطنين عن طريق إجراء مقابلات مع الأطباء و المواطنين لتحديد الأمراض الأكثر إنتشارا و خاصة تلك الناتجة عادة من آثار التلوث الحاد . جزاك الله خيرا مرة أخرى و ما وجهت هذه الملاحظات إلا من أجل إغناء بحوثكم المستقبلية. د.ولد العربى ولد النهاه

    الرد على هذه المشاركة

  • البيئة الحضرية في مدينة كيفه 24 أيلول (سبتمبر) 10:44, بقلم محمد محمد محمود اميس

    جزاك الله خيرا لقد أجدت وأفدت يا دكتورنا .نعم إن مدينة كيفه لا شك في أنها تعاني من الكثير من المشاكل ومن أبرزها ما ذكرتم وبالتفصيل فمدينة كيفه مدينة عريقة لا يليق بها ولا بسكانها هذا النوع من التخلف

    الرد على هذه المشاركة

اضف تعقيب

الأخبار قضايا تحاليل ملفات آراء حرة اصدارات مقابلات أعلام سوق كيفه منبر كيفة أخبار الجاليات الظوال أسعار الحيوان صور من لعصابه قسم شؤون الموقع والوكالة تراث دروس كاريكاتير نساء لعصابه قناة كيفة انفو
صفحة نموذجية | | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
جميع الحقوق محفوظة لـ " وكالة كيفة للأنباء" - يحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من الوكالة ©2014-2016