الصفحة الأساسية > الأخبار > العقل السياسي الحاكم في موريتانيا

العقل السياسي الحاكم في موريتانيا

السبت 6 آب (أغسطس)  06:55

المقصود بالعقل السياسي الحاكم في موريتانيا، هو جملة القواعد والتقاليد والممارسات السياسية التي ظهرت مع بداية الدولة الوطنية ثم ما لبثت أن تجذرت بفعل التجارب التي راكمتها السلط السياسية المتعاقبة على حكم البلاد، لتتحول في الأخير إلى نمط لإدارة الشأن العام الوطني أو ما يشبه الدولة المحلية العميقة.

هذا العقل السياسي أثرت فيه عوامل داخلية تمثلت أساسا في القوالب التقليدية للسلطة في المجتمع الموريتاني (القبيلة، الحلف والإمارة)، إضافة إلى عدة عوامل خارجية، منها على وجه الخصوص ممارسات الإدارة الاستعمارية التي كانت قائمة في البلد وبعض التجارب الثورية التي برزت مع ظهور دولة الاستقلال في الوطن العربي وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتركت بصماتها على الرعيل الأول من السياسيين الموريتانيين.

وعلى العموم، يمكن القول إن هناك ثلاثة أحداث كبيرة واكبت تأسيس الدولة الوطنية تمثل البداية الفعلية لتشكل هذا العقل السياسي الحاكم: أولها هو التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي في مايو 1961، وثانيها هو انعقاد مؤتمر الوحدة في دجمبر 1961 والذي قررت خلاله الأحزاب السياسية الرئيسة في موريتانيا آنذاك، (أربعة أحزاب)، حل نفسها بنفسها والاندماج في حزب واحد، وآخرها هو التعديلات الدستورية عام 1965 والتي كان من أهم مخرجاتها المادة (9)، التي نصت على أن (حزب الشعب) هو ﺣﺰب اﻟﺪوﻟﺔ وهو وحده الذي يمثل اﻹرادة اﻟﺸﻌﺒﻴﺔ.

في الواقع كان الراحل المختار ولد داداه ومؤيدوه يسعون من وراء هذه "الانقلابات" المتتالية على الديمقراطية، إلى توطيد سلطتهم وسحب البساط من تحت أقدام خصومهم السياسيين، خاصة الجناح المطالب بترسيخ التجربة الديمقراطية بقيادة رئيس الجمعية الوطنية آنذاك سيد المختار ولد يحي أنجاي.

لكن صراع الأجنحة هذا، الذي احتدم داخل الحزب الحاكم وقتها (حزب التجمع)، سيؤدي في نهاية المطاف إلى انتصار تيار ولد داداه وبداية تشكل ملامح عقل سياسي حاكم في موريتانيا، سيهمن في ما بعد على أداء كل الأنظمة التي ستتعاقب على إدارة شؤون البلاد.

ولترسيخ أقدامه والترويج لنظريته، سيقوم هذا العقل السياسي الحاكم فور ولادته، بإنتاج ما سيسميها بالأخطار المحدقة بالوطن والتي ترتكز على ثلاث فزاعات:

الفزاعة التاريخية: ومؤداها أن موريتانيا كانت دائما عرضة لأطماع جيرانها ودول خارجية أخرى، وأن هذه الأطماع حتى وإن اختفت عن الواجهة إلا أنها تبقى دائما موجودة تحت السطح، وهذه الفزاعة في جزء كبير منها عبارة عن الطبعة المحلية لنظرية المؤامرة الشهيرة.

الفزاعة الجغرافية: وتتلخص في أن الحيز الجغرافي الذي توجد فيه موريتانيا هو فضاء طارد وغير صالح لقيام الدول نظرا للتحديات الأمنية الجمة التي تواجهه، وستتبوأ هذه الفزاعة موقع الصدارة مع بروز ظاهرة الإرهاب والجريمة المنظمة.

الفزاعة الاجتماعية: وتقوم على أن التركيبة العرقية المعقدة للمجتمع الموريتاني هي عبارة عن برميل بارود مرشح للانفجار في أي وقت، وهو ما يشكل تهديدا قائما ومستمرا لكيان الدولة.

وانطلاقا من هذه الأخطار الهائلة المحدقة بالكيان الوليد، فإن موريتانيا ولكي تحمي نفسها، حسب هذا العقل السياسي الحاكم، ستكون بحاجة ماسة إلى:

1. وجود رئيس قوي يمتلك صلاحيات واسعة(الزعيم الوطني الشجاع صاحب القرارات التاريخية والإنجازات العملاقة)،

2. قيام سلطة تنفيذية مركزية قوية (الهيمنة على السلطتين التشريعية والقضائية وعلى كل مفاصل الدولة)،

3. النظر إلى الديمقراطية باعتبارها ترفا سياسيا غربيا لا يناسب الدول الناشئة، وأن أي تجربة ديمقراطية يجب أن تكون بالمقاس الذي تحدده السلطة وألا تخرج عن سيطرتها،

4. اعتبار أي فعل معارض تهديدا للوطن، يقتضي التعامل معه بمنطق العصا والجزرة. هذا العقل السياسي الحاكم أو "النظام" كما سيدرج على تسميته لاحقا، سيتبلور مع مرور الوقت ويفرض نفسه كبديل لدولة المؤسسات، وسترثه كافة الأنظمة السياسية الموريتانية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا عن بعضها البعض وسيظل سمتها البارزة والمشتركة، حتى وإن اضطرت تلك الأنظمة أحيانا إلى إعادة ترتيب أوراقها وتجديد ملامحها للتكيف مع إكراهات الراهن الوطني والإقليمي والدولي.

يتواصل...

ح2: العلاقة بين المؤسسة العسكرية والعقل السياسي الحاكم في موريتانيا.

اضف تعقيب

الأخبار قضايا تحاليل ملفات آراء حرة اصدارات مقابلات أعلام سوق كيفه منبر كيفة أخبار الجاليات الظوال أسعار الحيوان صور من لعصابه قسم شؤون الموقع والوكالة تراث دروس كاريكاتير نساء لعصابه قناة كيفة انفو
صفحة نموذجية | | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
جميع الحقوق محفوظة لـ " وكالة كيفة للأنباء" - يحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من الوكالة ©2014-2016