الصفحة الأساسية > الأخبار > حيرة الأطفال الموريتانيّين الذين يبحثون عن أب...

حيرة الأطفال الموريتانيّين الذين يبحثون عن أب...

السبت 6 آب (أغسطس)  06:37

مريم، هذه المرأة الشابّة الحاصلة على شهادة في الإعلامية قرّرت القبول بواقعها كطفلة مولودة خارج إطار الزواج و هي تحدّثنا عن تجربتها فتقول : " أمّي كانت دائما تعدني بأن تأخذني لرؤية أبي ... لكن، كلّما كان يمرّ الوقت، كلّما أزداد فهما لبعد المسافة التي تفصلني عن هذا الأب ... و عندما بلغت سنّ الرّشد، فهمت أنّ للكبار أسرارا يخبئونها في مكان ما موصد في قلوبهم و أنّه يجدر بي أن أتجاهل الأمر... لقد ولد أبي في بوغي و اشتغل لسنوات طويلة في محافظة ڨيديماخا الواقعة بالجنوب الموريتاني. و قد اتّصل بي يوما صديق له منذ الطفولة ليقول لي إلى أيّ حدّ يشعر والدي بلأسف على عدم قدرته على الاعتراف بي و اصطحابي للعيش معه تحت سقف واحد... لحسن حظي، أنا اليوم امرأة قوية و قد أصبحت قادرة بمرور الزمن على تقبّل ضربات القدر. الشيء الوحيد الذي ما زال إلى حدّ الآن يذيبني من الدّاخل هو النظرة اللّئيمة الجانبيّة التي يرميني بها بعضهم أو تلك الكلمات السّاخرة التي تقذفني بها دائما ضرائر أمي و بناتهنّ ".

مريم ليست حالة فريدة من نوعها فآلاف غيرها يجدون أنفسهم في مواجهة هذا الوضع المأساوي الذي يحرمهم من حقوقهم الأساسية و يدفعهم إلى العيش على هامش المجتمع. يتعلّق الأمر عموما بأطفال يأتون إلى الحياة بعد علاقة تربط رجلا بامرأة خارج أطر الزواج أو بعد عملية اغتصاب أو بعد جريمة سفاح ذي القربى. يسمّونهم عادة أطفالا لا شرعيّين و لا يعترف بهم التشريع الموريتاني.

فبحسب البند التاسع و الخمسين من القانون عدد 052 – 2001 المؤرّخ في 19 جويلية 2001 و المتعلّق بقانون الأحوال الشخصيّة، " يُنسب الطّفل إلى أبيه في حال وجود زواج قانوني و في حال و جود إمكانية الاتّصال الجنسي بين الزوجين و في حال لم يتمّ إنكار نسبه بحسب الصيغ القانونية ".

السيّدة ياندي سال و هي امرأة مناضلة و رئيسة للمنظمة غير الحكومية " لنفعل شيئا من أجل رفاه الأطفال و العجائز و أصحاب الحاجيات الخصوصية " (ABEPAD) توضّح فتقول : " في أحسن الأحوال، الأطفال الذين يأتون إلى الدنيا نتيجة علاقات غير شرعية ، هذا إن بقيوا على قيد الحياة طبعا، يقع القبول بهم داخل أسر أمّهاتهم. أمّا في أسوء الأحوال فيقع نبذهم معهنّ ".

هنا يأتي دور الوساطة الهادفة إلى إعادة إدماج الأمّهات اللّواتي تجدن أنفسهنّ في حالة ضياع و هو الدور الذي أخذته على عاتقها السيّدة زينبو منت طالب موسى، رئيسة المنظمة غير الحكومية "الجمعية الموريتانية لصحّة الأمّ و الطفل (AMSME)" و هي جمعية ذات سلطة استشارية لدى المجلس الاقتصادي و الاجتماعي التابع للأمم المتّحدة "ECOSOC" كما أنها مديرة المركز الجهوي " الوفاء لإرشاد النساء و الأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية و التكفّل بهم".

و تشرح السيّدة زينبو منت طالب موسى عمل الجمعية فتقول : " خلال الثلاث سنوات الأخيرة سجّلنا واحدا و سبعين حالة من الأطفال المولودين نتيجة جريمة اغتصاب. و قد قمنا بإعادة الإدماج الأسري لأمّهاتهم مع المتابعة الطبّية المنتظمة لحملهنّ و مرافقتهنّ حتى الولادة. ثمّ بعد ذلك، و أمام عدم إمكانية استخراج وثائق الحالة المدنيّة لهؤلاء الأطفال بغية تسجيلهم بالمدرسة، قمنا بالاتصال بحكّام المغطّى ليمنحوهم شهادات هوية ".

عدم الاعتراف بالأبوّة قد يكون مرتبطا كذلك بخلافات زوجيّة تفضي أحيانا إلى نوع من تصفية الحسابات أو إلى رغبة في الانتقام من قبل زوج خانته شريكة حياته كما قد يكون تعبيرا عن انعدام المسؤولية لدى بعض الأزواج الذين يختفون فجأة من محلّ الزّوجيّة تاركين خلفهم زوجة ترزح لوحدها تحت حمل ثقيل يتمثّل في تربية الأبناء و الاعتناء بهم.

كما أنّ نكران الأبوّة قد يكون أيضا نتيجة لما يسمّى "الزواج الخاطف" و الذي يعقده عسكريّون أو موظّفون أو سائقون و حتّى رجال دين فقط لإطفاء لهيب شهواتهم التي لا تشبع. و تندرج ضمن نفس السياق الزيجات السرّيّة و في كلتا الحالتين، لا يكون للأطفال الذين يولدون من رحم هذه الزيجات الغريبة أيّ أدنى علاقة بآبائهم.

و هنالك أخيرا المأساة اللاّإنسانية الفضيعة التي يكون ضحيّتها أطفال يأتون إلى الحياة نتيجة عمليّة اغتصاب يمارسها الأسياد على ملكات يمينهم من الإماء. هذه الممارسة البشعة التي هي من حسن الحظّ في طور الاضمحلال كانت رائجة للغاية في شمال البلاد حيث تعتبر هذه الفئة من النساء المستعبدات مجرّد أدوات لمتعة الرّجال. و قد كان الأطفال الذين يأتون للدنيا ثمرة لتلك العلاقات يُحرمون من حقّهم في نسب آبائهم حتّى أنّ هذا الألم الفظيع الذي يعاني منه العبيد في أجسادهم و أرواحهم شكّل مطلبا أساسيّا ارتكزت عليه حركة "إيرا" المنادية بإلغاء العبودية (IRA) بقيادة المناضل بيرم ولد عبيد.

و لئن كان جدار الصّمت الذي يلفّ هذه الظاهرة يجعل من شبه المستحيل الحصول على إحصائيات دقيقة تمكّننا من حصر مدى انتشارها، فإن هذا لا يمنع عزيزة منت مسلم، رئيسة شبكة منظّمات الرعاية الصّحية و الاجتماعية بإقليم تاڨنت (ROASST)، من الاعتقاد بأن ضحايا هذه المأساة من الأطفال يقدّٙرون بما يزيد عن 3 % من العدد الجملي لسكّان موريتانيا.

و تقول عزيزة منت مسلم في هذا الشأن : " لقد أحصينا ما يزيد عن الأربع مائة حالة من الأطفال الغير مسجّلين بالحالة المدنية في حيّي الميناء و السبخة الواقعين في ضواحي نواكشوط فقط. و يشترك هؤلاء الأطفال جميعا في غياب أيّة نسبة تربطهم بأب معروف. كما ستشمل عمليّة الإحصاء أحياء أخرى في نواكشوط و في مدن أخرى من موريتانيا و الهدف من ذلك هو إنشاء قاعدة بيانات دقيقة تعكس بوضوح مدى انتشار هذه الظاهرة و مدى تأثيرها على المجتمع ".

أمّا عن تبعات إنكار الأبوّة و غيابها في حياة الأطفال، فهي تمتدّ على مستويات عديدة حيث أن ضحايا هذه الظّاهرة يجدون أنفسهم في مواجهة معضلة الاعتراف القانوني بوجودهم فهم يولدون بدون أن يكون لميلادهم أثر رسمي في سجلاّت الدولة و من ثمّ فهم يجدون صعوبات جمّة في الحصول على وثائق الحالة المدنيّة. كما أنّهم يكونون غالبا عرضة لمخاطر الانحراف و الإدمان على المخدّرات و البغاء و قطع الطّريق و الجريمة المنظّمة...

و بحسب السيّد كويتا و هو خبير في علم النّفس بمستشفى نواكشوط، يكون لغياب الأب كمصدر للنسب و الحماية نتائج نفسيّة وخيمة، إذ يقول : " أثبتت بعض الدّراسات وجود اضطرابات اجتماعيّة و جنسيّة و أخلاقيّة و معرفيّة مردّها غياب الأب، حتّى أن كثيرا من الأطفال الذين لهم مشاكل مع السلطات القضائية في موريتانيا ينحدرون من هذه الفئة ".

و بالفعل، فإن العديد من المنحرفين الذين تعجّ بهم شوارع المدن الكبرى في البلاد ينتمون لهذه الفئة من المجتمع التي تعيش بلا معايير تسير وفقها. ففي نواكشوط و في نواذيبو يكاد لا يمرّ يوم بدون أن يتمّ تسجيل اعتداء على مواطنين أبرياء لا ذنب لهم. كما تفيد مصادر قريبة من وزارة العدل الموريتانية أن ما يقارب الثمانين طفلا يوجدون الآن في حالة إيقاف تحفّظي أو مودعون في سجن الأطفال القصّر و أكثر من 90 % من هؤلاء الأطفال هم ضحايا لغياب أب كان من المفروض أن يقوم بحمايتهم و بتربيتهم.

dune-voices

اضف تعقيب

الأخبار قضايا تحاليل ملفات آراء حرة اصدارات مقابلات أعلام سوق كيفه منبر كيفة أخبار الجاليات الظوال أسعار الحيوان صور من لعصابه قسم شؤون الموقع والوكالة تراث دروس كاريكاتير نساء لعصابه قناة كيفة انفو
صفحة نموذجية | | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
جميع الحقوق محفوظة لـ " وكالة كيفة للأنباء" - يحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من الوكالة ©2014-2016