الصفحة الأساسية > الأخبار > البنية السكنية بولاية لعصابه ومسار التحول المورفولوجي البطيء

البنية السكنية بولاية لعصابه ومسار التحول المورفولوجي البطيء

الثلاثاء 7 حزيران (يونيو)  01:00

الدكتورمحمد الأمين ولد لمات

ظلت موروفولوجية السكن بولاية لعصابه بسيطة جدا إذ تعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي للسكان، ولم يكن هناك أي بعد هندسي موحد النوع لعدم وجود صنف سكني واحد، فالسكان يبنون بما توفر من مواد محلية في محيطهم (طين، حجارة، حطب)، لكنه مع ذلك كان هناك نوع من المدنية الجنينية ممثلا في أهمية "الحوش" وضرورة وضعه كحائط على جميع مكونات المسكن، وربما ارتبط ذلك بقدم هذه الظاهرة التي عرفها المجتمع منذ نشأة المدن التاريخية الموريتانية (شنقيط ، تيشيت، ولاته، ودان...إلخ). أما فيما يتعلق بأبعاد الغرف فكانت صغير ومن ثم كانت البيوت ضيقة وذلك لأن الأعمدة التي تحمل السقف لم تكن طويلة (4 إلى5 أمتار)، وكانت تستمد بدورها من الأشجار المتوفر بعين المكان كأشجار أمور وإزكلم وأنتورجه، كما أن السقف عادة ما يكون مائلا ميلانا خفيفا، وفي اتجاه ذلك الميلان تثبت قنوات صغيرة من الحديد (صبابات محليا) من أجل صرف المياه التي تتجمع على سطوح المنازل، والتي تكون مغطاة أصلا بعجين الأطيان مخلوطا بروث الأبقار لمنع تشققها والحيلولة دون تسرب مياه الأمطار إلى داخلها .

والى جانب الدار كمسكن قديم نسبيا كانت هناك أعرشة من الحطب تستخدم في بنائها نفس مواد الحطب التي تستخدم في سقوف المنازل، وكانت تمثل أحيانا صنف السكن الوحيد للبعض من الأسر، كما كانت تبنى إلى جانب الدار ليكون المسكن أكثر اتساعا ورحابة عند استقبال الضيوف لكن هذه الظاهرة لا تقدر عليها سوى الأسر الميسورة، لأنه حتى نظرا لمحلية مواد البناء فإن اليد العاملة التي ستتولى ذلك كان البعض يعجز عن تحمل تكاليفها، وبالتالي يفضل الاقتصار على العريش نظرا لسهولة بنائه وقلة تكالفه. مع الإشارة إلى أن أعرشة الحطب اليوم قد اختفت في الكثير من الأماكن لكنها ورثت نفس الشكل والتصميم لأعرشة أخرى مبنية من الإسمنت والحديد.

وعليه فإن ما سبق يوحي إلى حداثة الاستقرار وبساطة العيش لدى هؤلاء السكان حديثوا العهد بحياة الرحل الذين لا يتطلبون إلا المستويات الدنيا من وسائل الراحة، ولكنه مع ذلك يعبر عن درجة من درجات التحول التي عرفها هذا المجتمع الذي اعتاد السكن بالخيام قرونا طويلة وظلت موجودة حتى أواخر النصف الثاني من القرن العشرين، لتبدأ في التراجع تدريجيا مع تتالي سنوات الجفاف وميل السكان الرحل إلى الاستقرار، أما التجهيزات المنزلية فكانت هي بدورها بسيطة تتكون موادها أساسا من منتجات الحرف التقليدية انطلاقا من السرير مرورا بالأواني وانتهاء بآلات حفظ الأمتعة، وفي البعض من الحالات الاستثنائية كانت تصادف لدى بعض الأسر الميسورة بعض المعدات والتجهيزات السكنية الأجنبية الصنع التي كان يأتي بها التجار من المغرب أو السنغال أو من بعض الدول الإفريقية الأخرى.

كانت هذه هي وضعية السكن بالمنطقة، والتي تشهد على ضعف الإمكانيات المادية للسكان، وعلى ضعف الاحتكاك وقلة الانفتاح على العالم الخارجي. أما اليوم فقد أدى دخول الإسمنت والحديد في مجال البناء إلى إحراز تحولات كبيرة في ميدان السكن، مما حرره من عدة معوقات طال ما حكمت عليه بالضعف والهشاشة. هكذا أصبحت رغبة الإنسان ومستواه الاقتصادي هما اللذان يتحكمان في نوع المسكن وتجهيزاته، وفي أبعاد الغرف وعددها، لكن هذا لا يعني أن كل أصناف السكن مبنية من الإسمنت، بل كثيرا ما تعوض هذه المادة اللاحمة بالأطيان التي تتوفر كمورد ترابي محلي قريب وفي المتناول ولا يستعمل الإسمنت في هذه المباني المسقوفة بالحطب إلا عند عملية التمليس الخارجي، وهذه الظاهرة تتركز كثيرا بالوسط الريفي وقد يتداخل فيها السكن المبني من الطين، والسكن من الإسمنت بشكل كبير، لكنها آخذة في الاختفاء التدريجي بعدد من القرى نظرا لاتساع ظاهرة الهجرة إلى الدول الأفريقية لممارسة الأنشطة التجارية التي يزاولها الكثير من أبناء هذه الولاية، مما كانت له انعكاسات ملاحظة على مستوى السكن تمثلت في كسر الروابط مع السكن القديم. لكن المسألة التي يجدر التنبيه إليها هو أن السكن الريفي سواء كان من الإسمنت أو الطين فإنه لا يقتصر على ظاهرة الدار، بل يجمع الكثير من الأسر فيما بينها والعريش (لمبار)، سواء كان من أعمدة الحديد أو الإسمنت، زيادة على أنه في الوسط الريفي هناك الكثير من الأسر التي تسكن في العريش لوحده، حيث يتزاحم مختلف أفراد العائلة في مساحة لا تتجاوز خمسة أمتار عرض وسبعة أمتار طول وقد تنقص عن ذلك، يزداد الأمر حدة في حال استقبال الضيوف، أو في حال عجز هذه الأسر عن بناء أعرشة أخرى لحفظ الأمتعة وإعداد وجبات الطعام.

إن السبب الذي أدى إلى التطور البطيء في التحولات التي عرفتها ظاهرة السكن بالولاية، سواء في الوسط الريفي أو الحضري يكمن في ارتفاع أسعار مواد البناء الحديثة، حيث تضاعف سعر خشنة الإسمنت ثلاثة مرات في أقل من 20 عاما، فبعد أن كان سعرها لا يتجاوز 1300 أوقية في أواخر التسعينات، وأقل من ذلك بحدود النصف في أواخر الثمانينات أصبح اليوم يقارب 3000أوقية ونفس الشيء بالنسبة للحديد حيث ارتفع السعر بشكل مستمر لكل ربطة من الأسلاك المستخدمة، مما جعل الأسعار تخرج عن متناول العديد من الأسر وتصبح أبعد من ذلك حين تنضاف إليها تكاليف اليد العاملة والنقل، حيث تتركز محلات بيع مواد البناء بشكل كامل في المدن وعواصم المقاطعات.

وعلى العموم فان البنية السكنية بولاية لعصابه قد شهدت تحولا لا يمكن نكرانه خصوصا على المستوى الحضري حيث نلمسه اليوم على مستوى توزيع الأدوار بين الغرف التي يتكون منها المسكن، ففي الوقت الذي كانت فيه الأسرة لا تمتلك إلا غرفة واحدة أو غرفتين لم يكن هناك توزيع للأدوار بحيث كانت الغرفة تلعب دور المطبخ وقاعة الجلوس وقاعة الأكل والشاي وربما غرفة النوم، لكن بعد تعدد الغرف ستختص كل غرفة بوظيفة معينة الشيء الذي أدى إلى اختفاء بعض الأدوار القديمة، وحلت محلها وظائف جديدة تتكيف مع الحاجيات الجديدة للسكان وللسكن، وتمشيا مع المستويات الاقتصادية والاجتماعية للأسر.هكذا ظهرت غرفة النوم وغرفة الضيوف وغرفة تناول الطعام والمطبخ والمرآب، والأكثر من ذلك أصبح أفراد الأسرة يطمحون إلى أن يكون لكل واحد منهم غرفة نوم خاصة به على غرار ما نجده اليوم لدى بعض الأسر الميسورة بمدن انواكشوط وانواذيبو. لكنه حسب المعاينة الميدانية لم تصل أغلبية الأسر بالمجال الحضري إلى هذا المستوى، حيث لا يزال الأطفال- عند النوم- ينامون في غرفة واحدة، ويلتحفون بغطاء واحد وتوجد بعض الحالات التي ينام فيها الآباء إلى جانبهم في حال ما إذا كانت الأسرة لا تمتلك إلا غرفة واحدة أو صنف سكني واحد.

اضف تعقيب

الأخبار قضايا تحاليل ملفات آراء حرة اصدارات مقابلات أعلام سوق كيفه منبر كيفة أخبار الجاليات الظوال أسعار الحيوان صور من لعصابه قسم شؤون الموقع والوكالة تراث دروس كاريكاتير نساء لعصابه قناة كيفة انفو
صفحة نموذجية | | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
جميع الحقوق محفوظة لـ " وكالة كيفة للأنباء" - يحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من الوكالة ©2014-2016